من الهامش إلى المركز

مرزوق الحلبي
في الصورة أعضاء عن القائمة المشتركة
مرزوق الحلبي

למאמר בעברית: מן השוליים למרכז

كنتُ أفضّل لو أن مقالي هذا نُشر في منبر عربي. لكني أجزم أنه ما كان يُمكن أن يجد له منبرًا كهذا سوى صفحتي الشخصية على الفيسبوك. وفي مواضع كهذه يكون علينا أن نختار. وقد اخترتُ أن أتواصل مع القارئ الاحتمالي عبر هذا المنبر وفي قضية شغلتنا في الأشهر الأخيرة مرتيْن عشية الجولة الانتخابية الماضية والجولة الحالية، وهي قضية تعامل النُخب الفلسطينية في إسرائيل مع السياسة كما تتجسّد في الانتخابات للكنيست. 

يُشكّل النقاش الذي دار ولا يزال حول "القائمة المشتركة" مدخلا طيّبا للاستدلال به على مفهوم السياسة وكيفية توظيفها في العلاقة بالأغلبية اليهودية والدولة. وفي النقاش دلالات لافتة قلّما تُناقش في العُمق. ولعلّ أبرزها تعثّر تشكيل القائمة عند المكان الـثاني عشر في القائمة. وهو ما يعكس في العُمق عدم ثقة شركاء القائمة بقدرتهم على تجاوز حاجز الـ اثنا عشرة مقعدا برلمانيًا، علما بأنهم حصلوا في المرة الأولى لخوضهم الانتخابات في قائمة مشتركة على ثلاثة عشر مقعدا ونصف المقعد!، وهذا بدوره يعكس تصوّرا ذاتيا متدنيًا للذات الجماعية. وأخشى أن تكون النُخب الفلسطينية في إسرائيل قد ذوّتت ما زرعته فيها النُخب اليهودية من أنها هامشية تمامًا. وهذا غير ممكن دون أن تُذوّت النُخب الفلسطينية هنا والجماهير أيضا، ادّعاءات ومقولات المُضطهِد وتصوّراته عن الفلسطينيين المُستضعفين من أنهم غير قادرين على تحقيق أي نوع من الاقتدار والوحدة والعمل المُشترك، وأن مصيرهم المقرّر سلفًا هو التشرذم والاقتتال داخليا على مقعد أو سواه من موارد.

ومن هنا، فإن السياسة التي تطوّرت لدى النُخب الفلسطينية مع الوقت ليست سياسة اقتدار وثقة بالرواية والحقّ والقُدرة على التغيير بل سياسة العمل ضمن الحدود والقيود. انها سياسة قانعة بنصيبها تسعى إلى الحدّ الأدنى مسبقا في فرضياتها وطموحاتها التي بلغت ذروتها ونهايتها عندما كان العرب ضمن "الجسم المانع" الذي حفظ حكومة رئيس الحكومة يتسحاق رابين حتى اغتياله في تشرين الثاني 1995. وهي في وجه آخر ذات سياسة ردّ فعل ومناورات لا سياسة فعل ومبادرات. بكلمات أخرى ـ النُخب الفلسطينية في إسرائيل لم تستطع إنتاج سياسة ولا "مُنتجات سياسية"، بل واصلت استهلاك "السياسة" التي تُنتجها النُخب اليهودية لا سيما اليمينية.

ومما يزيد من الشعور الذاتي بالهامشية هو تلك الظاهرة المكمّلة المتمثّلة في الدعوة لمقاطعة الانتخابات بدعوى أن وجود العرب في الكنيست غير مُجدٍ وأنه لا يشكل أكثر من ورقة توت تغطي على السياسات الإقصائية الاحتلالية وتُظهر إسرائيل بمظهر ديمقراطي في المحافل الدولية. هذه الدعوة تصبّ في تعميق الشعور بالهامشية عند النُخب، وإن بدت عكس ذلك في نظر أصحابها. نقول هذا لأنها لا تطرح مشروعًا بديلا ولا مجرّد أفكار لمشروع. 

هذا يعني أن النُخب الفاعلة سياسيا بشقّها الذي يُحاول إنتاج القائمة المشتركة من جديد وذلك المُعارض للمشاركة في الانتخابات تقبل فرضية هامشية الفلسطينيين وقوتهم الانتخابية تلك، وتسير بموجبها إلى السياسة.في مقابل تربك هذه الحالة المواطن الفلسطيني الفرد وتزيد من إحباطه وسلبيته واغترابه. خيار آخر نظري على الأقلّ، وهو أن يخرج الفلسطينيون في إسرائيل بكل قوتهم الانتخابية إلى صناديق الاقتراع ليُسقطوا حكم اليمين العنصري ويفرضوا أنفسهم بقوة لاعبين أساسيين في السياسة البرلمانية وخارجها. فإذا شارك هؤلاء بمعدلات تزيد عن المعدلات القُطرية، وهي في حدود 70%، وقد تصل إلى 80% لكسبوا تمثيلا بحدود الستة عشر مقعدا برلمانيا على الأقل وقد يفلحون في منع اليمين من الوصول إلى الحكم. هذا يعني أنهم يستطيعوا أن يكونوا لاعبا أساسيًا في المعادلة السياسية خاصة لو ازدادت مشاركتهم فوق 80% كما كانت مرة.

هذا إلًا إذا نظرت النُخب السياسية الفلسطينية هنا إلى نفسها نظرة مغايرة. فلا تلعب ضمن حدود المرسوم لها من خطوط وإنما وفق ما تقتضيه مصالحها كأقلية قومية لها مشروع وأهداف ومصالح. فترفض التعامل معها على أنها هامش للنُخب الإسرائيلية (والفلسطينية) وتنتقل إلى سياسة الاقتدار والمبادرة وصنع التغيير. فلا تكون مشاركتها في الانتخابات ورقة توت تستر عورة إسرائيل العنصرية ولا تظلّ هامشية تتطلّع إلى عمل برلماني ينتهي بتحصيل دائرة بريد في هذه القرية ومواصلات عامة في تلك. هذه إنجازات هامة حققها غالبية أعضاء الكنيست الفلسطينيين في إسرائيل ـ لكن ألأهمّ هو امتحان ولادة قيادة تصبو وتصل الى المستوى التمثيلي لمصالحها وأهدافها وتملك القدرة على استشراف المستقبل. فلو حصرنا الفعل الانتخابي القريب مثلا بكونه يستهدف اعتراض حكم اليمين ومشروعه الذاهب إلى أبرتهايد بين البحر والنهر ـ لو افترضنا هذا- لكان كافيًا أن تذهب الغالبية الساحقة من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل إلى صناديق الاقتراع في أيلول المُقبل. لكن مَن يستطيع اقناع الناخب العربي بذلك؟ ما دامت النُخب الفاعلة عالقة في الهامش، تفكّر في الهامش وتأتينا معارضة تفكّر مثلها في الهامش وعلى أننا هامشيون؟.

الكاتب حقوقي، محاضر بالعلوم السياسية ومستشار استراتيجي

למאמר בעברית: מן השוליים למרכז

לחצו על הפעמון לעדכונים בנושא:

תגובות