د. سليم بريك

למאמר בעברית: כדי להצביע צריך להשפיע

هناك خط واصل بين ملحمة بناء القائمة المُشتركة عام 2015، تأسيس القائمتين العربيتين عشية الانتخابات الأخيرة في نيسان المنصرم، نسبة التصويب المنخفضة غير المسبوقة للمواطنين العرب (49%) في نيسانإن العامل المُشترك لكل هذه السيرورات هو الشعور بالأبوية (Paternalism) التي يشعر بها قادة الأحزاب، الشعور بالسيطرة على القوة الانتخابية العربية المأسورة، وعدم الاهتمام الحقيقي بما يشعر به جمهورهم.

كُتب الكثيرعن أسباب تشكيل القائمة المُشتركة بصفتها شرا لا بد منه نتجت على خلفية رفع نسبة الحسم. لهذا تم كنس الخلافات بين الأحزاب تحت السجادة من أجل تأسيس هذا الكائن الغريب. لقد زُرعت في مراحل بناء القائمة بذور الفشل: عدم إقامة مؤسسات حزبية ضرورية والاكتفاء بقائمة يمكن اعتبارها الشكل الأكثر بدائية لأي مبنى تنظيمي لمؤسسة سياسية. بالإضافة إلى ذلك لم تُحدد آلية للتعامل مع الخلافات بين المركبات بل وتم توكيل لجنة خارجية (لجنة الوفاق) لبلورة القائمة والإعلان عنها.

بعد تشكليها، وبدل الاهتمام بمعالجة مشاكل المجتمع العربي، كرست القائمة ظواهر عديمة الفائدة مثل التناوب على مناصب معينة بداخلها، بين الأحزاب، وبذلك كرست مبدئاً عديم الجدوى بدل رفضه. أحدث هذل الأمر في نهاية المطاف أزمة أدت إلى تفكك القائمة. كما أن غياب الديمقراطية الداخلية، إلى جانب المبنى الطائفي المتجذر (الجبهة مبنية على أساس طائفي، التجمع كذلك الأمر والقائمتان: التغيير والإسلامية تُمثلان مسلمين فقط) أديا إلى تغلّب مؤسسات الأحزاب ونشطائها على مطالب الجمهور الطامح بوجود مؤسسات ديمقراطية صاغية لمطالبه واحتياجاته.

اختيار أكثر من نصف أعضاء القائمة دفعة واحدة كنوّاب جدد دون أي خبرة في العمل البرلماني أدى إلى الكثير من الإشكاليات في طريق القائمة وعلى رأسها كشف الخلافات الداخلية على الملأ، وخاصة رفض مكانة رئيس الجبهة أيمن عودة كرئيس للقائمة، من قبل أعضاء التجمع بالذات. كل هذه الأمور الحقت الضرر بقدرة المُشتركة على العمل وزعزعت مكانتها بين الجمهور العربي الذي دعمها في انتخابات 2015 دعماً غير مسبوق (83% من العرب صوتوا للمشتركة).

ثم تبين أن القائمة المُشتركة مشغولة بالأساس بنفسها. إنجازاتها كانت محدودة وعلى مستوى معالجة القضايا اليومية لا أكثر. لقد فشلت القائمة فشلاً ذريعا في تعاملها مع التحديات الأساسية مثل تعديل قانون كمنيتس الذي يُصيب المواطنين العرب في مقتل، وفي التعامل مع قانون القومية الذي يُباعد بين العرب وبين مواطنتهم. وبدل ذلك علا صوت الخطاب المألوف الذي فقد بريقه منذ زمن عند المواطنين العرب وتكررت الشعارات التي لا يستسيغها سوى نشطاء الأحزاب، مجموعة من المثقفين والكتّاب لا أكثر.

باختصار، اختار أعضاء المُشتركة الحديث فوق رؤوس الجمهور بدل التحدث معه ومحاولة فهم مشاكله ودوافعه. لا غرابة في سلوكهم هذا، فالجمهور العربي بالنسبة لهم "مصوتون في الجيب"، ولا خيار لهم سوى التصويت للقائمة مرة أخرى. ومن هنا فقد اهتموا بأمرين اثنين، أعتبرهما سلبيين: الأول، نضال شديد ضد الأحزاب اليهودية، بما في ذلك ميرتس، والثاني، الهجوم الحاد والصارخ ضد أي محاولة لتطوير خطاب سياسي جديد، كتأسيس حزب سياسي جديد، والعياذ بالله، يطرح اتجاهات فكرية جديدة. لقد تم التعامل بهذه الطريقة مع الآخرين وعلى رأسهم أساتذة الجامعات الذين تعرضوا للهجوم والتهجم خصوصا من قبل نشطاء الأحزاب الذين وصفوهم بنبرة لا تخلو من السخرية "البروفيسورات". وباتت ظاهرة معاداة المثقفين لا تقتصر فقط على الأحزاب الفاشية أو الدينية الأصولية.

يتوجب على رؤساء الأحزاب العربية تعلَم الكثير عشية الانتخابات القريبة، لكنني سأركز هنا على نقاط مركزية عملية ومهمة لتحسين صورتهم بين الجمهور: أولا، الإصغاء لهذا الجمهور والتعامل باحترام مع الآراء المختلفة وعدم التعامل مع جمهور المصوتين وكأنه ملكهم الخاص. الأحزاب التي تحمل فكرا أيديولوجيا وعمليًا، مثل حزب "الوحدة الشعبية"، تستحق الاهتمام والإصغاء، خاصة اولئك الذين لا يسعون لنيل مقاعد في الكنيست إنما إلى تطوير أفكار وبرامج عمل ضرورية للجمهور. ثانيا، التوقف عن مهاجمة الأحزاب اليهودية، خاصة أحزاب اليسار مثل ميرتس. قد يكون للانعزالية فائدة في جني المزيد من الأصوات لكنها تُلحق الضرر بالجمهور العربي وبقدرته على تحقيق الإنجازات البرلمانية والسياسية. 

أخيرا، فحص التوجهات عند الجمهور العربي فحصا معمقاً. هناك فرق شاسع بين مواقفه ومطالبه وبين خطاب رؤساء الأحزاب ومواقفهم. الجمهور يريد الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، العمل المُشترك العربي- اليهودي من أجل الأجيال القادمة، تحسين مستوى حياته والتعامل الناجع مع المشاكل والأزمات الحياتية التي يعاني منها. آخر ما يتهم به الجمهور هو الشعارات الرنانة والجوفاء التي يُطلقها بعض مُنتخبيه ليل نهار. 


الكاتب محاضر في العلوم السياسية في الجامعة المفتوحة وكلية عيمك يزراعيل وباحث بالسياسة العربية في اسرائيل.

למאמר בעברית: כדי להצביע צריך להשפיע

לחצו על הפעמון לעדכונים בנושא:

תגובות

הזינו שם שיוצג באתר
משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ