مطلوب إعلام عربي مؤثر

فراس خطيب
لماذا يفضل النواب العرب الإعلام الاسرائليلي على العربي؟
فراس خطيب

למאמר בעברית: דרושה תקשורת ערבית משפיעה

في مقابلة أجريتها مع أحد السياسيين العرب البارزين في إطار بحث أكاديميّ، قال بشكل لا يقبل التأويل إنّه يفضّل الظهور في النشرة المركزيّة في القناة الاسرائيليّة الثانيّة (القناة ١٢اليوم) على عشرين مقابلّة تجريها المواقع الإخباريّةّ العربية المحلية. يعي هذا السياسيّ جيّداً أن الإعلام يقاس بتأثيره لا باللغة التي يتحدث بها. وبما أن تأثير الإعلام العربي لا يؤدي دورًا محوريًا في الجدل السياسيّ، يفضل السياسيون منصّة مؤثرة، على الرغم من أن هذه المنصة لا تنصف جمهورهم ولا تتعامل معه بحياديّة. لم تعد هذه الحالة العبثيّة غريبة، فمن يتابع الإعلام العربيّ داخل إسرائيل في السنوات القليلة الماضيّة، يلاحظ غياب إعلام مهنيّ له حضور ومساهمة فعليّة في الحياة السياسيّة العربيّة وتحديدًا في مواسم مثل الانتخابات والحروب التي توضع فيها مسألة المواطنة على المحك.

يعيش المواطنون العرب في إسرائيل دون صحيفة يوميّة فاعلة، بعد تراجع صحيفة "الاتحاد" التابعة للحزب الشيوعيّ تراجعًا كبيرًا في العقد الأخير واقترابها من نهاية دورها التاريخي. أنهى هذا الأمر المنافسة بين الصحافة السياسيّة التي مثلتها "الاتحاد" على مدار عقود وبين الصحف التجاريّة التي نشأت بعدها. كما وأنَّ الصحف الحزبيّة الأيدولوجية انهارت واحدة تلو الأخرى بسبب تمسكها الضيّق بمشروع سياسيّ واحد. مما أدى إلى تحويل الصحف الحزبيّة إلى بيانات سياسيّة وليس  إلى منصّة إعلاميّة. بالمقابل لم تتطور الصحف التجارية وبقيت أسبوعيّة ثم تراجعت في ظل صعود الإعلام الإلكتروني. علاوة على عدم تطور إعلام تلفزيونيّ واذاعيّ ينافس وسائل الإعلام العبريّة من حيث الإمكانيات المهنية والاقتصاديّة.

إن وجود إعلام متين هو أمر حيوي وضرورة قصوى لكل أقليّة قوميّة يتم التمييز ضدها. لأنّ مهمّة الإعلام بشكل عام، بالذات لدى الأقليّات القوميّة، لا تقتصر فقط على نقل المعلومات إنما تكون أساساً لبناء حيّزٍ عام تطرح فيه القضايا المشتركة لتوحيد الزمن والأفكار. فالإعلام الذي يبرز مثلاً قضايا الناس وعلاقتها بالمؤسسة الحاكمة، يوحد زمن الأفراد مهما كانت انتماءاتهم الطائفيّة والفكريّة ويجمعهم في حيّز عام واحد يشعر فيه المواطن بأنه شريك سياسيّ.

إن غياب إعلام محليّ يتابع المجريات السياسيّة وغياب منصات إعلاميّة عربيّة مهنيّة وقويّة جعل المشهد السياسي العربي تحديدً،ا أكثر ضبابيّة بسبب فقر المعلومات الهامّة التي تخص هذه المجموعة. مما فتح المجال أمام اجتهادات وآراء شخصية كثر فيها التحليل وتغيب المعلومات والحقائق. كبرت القضايا وضاعت عناوين حلّها. أفسح ضعف الإعلام العربي المجال أمام إعلام الأغلبيّة المتين اقتصاديًّا ومكنه من بناء نجوم الأقليّة وفق رؤيته. وهذا أمر عبثيّ.

فتح غياب الإعلام العربي المجال أمام اجتهادات إعلاميّة كثيرة غير مجديّة تبحث في سؤال المشاركة السياسيّة بالانتخابات لا في علاقة العرب بالسياسيّة الإسرائيليّة برمتها، وحيَّد تماماً مسألة المواطنة والخدمات والهموم اليوميّة للمواطن العربي. ما يحدث الآن هو أن الانتخابات الإسرائيليّة لا تأخذ بعين الاعتبار عشرين في المئة من المواطنين، بل تعتبرهم سكاناً يعيشون في الساحة الخلفيّة لمكان آخر. إذ يتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن الأمن متناسيًا فوضى السلاح في القرى والمدن العربيّة وكأنهم يتواجدون في دولة ثانيّة. ونتيجة لتمييز الإعلام الإسرائيلي ضد المواطنين العرب، فهو لا يرى أي ضرورة  لطرح هذه القضايا. وبالتالي لا يرى رئيس حكومة "الجميع" أن عليه أن يطرح حلاً لعشرين بالمئة من هذا "الجميع". فبالنسبة له ما دام "المستجمون" على شواطئ تل ابيب ينعمون بالأمن فلا يهم إطلاق النار في المثلث البعيد أربعين دقيقة عن الشاطئ.

 لا يستطيع الفلسطينيون في إسرائيل قلب الحكومة لا من حيث الأصوات ولا البرنامج السياسي، كما ولا يستطيعون إنهاء التمييز العنصري في أي معركة انتخابيّة. الأخطر من ذلك أن هناك حملات انتخابية تضليلية تقودها وتمولها جمعيات يسارية، هدفها ايهام العرب بأنهم مؤثرون لينتهي بهم المطاف كما في كل مرة دون أي تأثير. لكن ما تستطيع الأقليّة العربيّة فعله هو طرح القضايا من خلال إعلام يبني حيّزًا عامًّا يبرز قضاياها ويفرضها لدرجة لا يمكن تجاهلها في ظل فشل الجمعيات في تحسين صورة العربي في الإعلام الإسرائيلي. وهذا ينطبق على الانتخابات أيضًا. العربي حاضر بصوته لا بقضيته وكل الدعوات التي تحثه على المشاركة لن تنفع لأنه لا يشعر بأنه شريك. 

وأنا أكتب هذه المقالة الخاصة لمبادرة "هآرتس"، أعي جيّدًا أن هذه المبادرة هدفها أساسًا فتح النقاش وتشجيع المشاركة السياسيّة لمصلحة تتماشى مع رؤية "هآرتس" السياسية، وليس نابعًا من ضرورة إشراك المواطنين العرب في الجدل السياسي. ولو كان همُ صحيفة "هآرتس" أن تطرح قضايا العرب فعلاً لخصصت عشرين في المئة على الأقل من صفحاتها لقضايا هذه الأقليّة.  

الكاتب صحفي ويحمل شهادة دكتوراه في الإعلام السياسي

למאמר בעברית: דרושה תקשורת ערבית משפיעה

לחצו על הפעמון לעדכונים בנושא:

תגובות