تعلّموا العربيّة

فادي معلوف
מעבר לטוקבקיםכתוב תגובה
הדפיסו כתבה
قانون القومية: حين تقرؤوننا ستقف اللغة العربيّة إلى جانب العبريّة مساوية
فادي معلوف

למאמר בעברית: יהודים, צאו ללמוד ערבית 

 في حوار مع محمود درويش نشرته مجلّة مشارف في أكتوبر 1995، يقول الشاعر:"أنا لغتي. أنا لغتي ولست محرجًا بهذه الهويّة أو فخورًا. أنا عربيّ لأنّي أتكلّم العربيّة [...] أنا عربـيّ ولغتي عرفَتْ أقصى ازدهارها عندما كانت مفتوحة على الآخرين، وعلى الإنسانيّة كلّها. [...] لا أجد في هويّتي سجنًا[...]. أقول للآخر تلك هويّتي شاركني فيها، ففيها متّسع لك. [...] أدافع عن لغتي لا دفاعًا عن هويّتي ولكن عن وجودي. أدافع عن شعري، عن حقّي في الغناء". 

ليس هذا المقال خطاب دفاع عن حقّ الأقلّيّة القوميّة العربيّة الطبيعيّ بأن تتّسع الأرض للغتها، وبأن يمارس أبناؤها حرّيّتهم في أن يعيشوا لغتهم، أن يفرحوا ويحزنوا ويحلموا ويغضبوا بلغتهم، أن يفكّروا، يحبّوا، يكرهوا، يشكروا، يرفضوا، يصرخوا ويصمتوا بلغتهم. لا، فلغتهم في الواقع ليست مهدّدة، لا "قانون القوميّة اليهوديّة" سيجتثّها من وجدان أبنائها، ولا غيره من القوانين الرديئة التي أنتجتها السنوات الأخيرة. كلّ خوف من "الاندثار" مبالغ به وغير واقعيّ. تتوارث الأجيال اللغة كما تتوارث ملامح الوجه. 

أن تكون عربيًّا في ثقافتك يعني أن تكون منفتحًا على الآخر (هكذا فهمت الثقافة العربيّة بعد عشرين عامًا من دراستها وتدريسها)، وليس هذا الكلام توهّمًا ولا تغنّيًا عاطفيًّا ولا تضخّمًا في الغدّة القوميّة على نسق حزب البعث؛ كما أنّه ليس تزيّنًا واستعراضًا ولا مقولة تخفي دعوة إلى "تعايش" من النوع الذي يستقي من مياه العبوديّة ليخضرّ. إنّه حقيقة تاريخيّة؛ لم تَصِر للعرب ثقافة مؤثّرة إلّا حين انفتحوا على الفرس والسريان واليونان وغيرهم من الشعوب، وهذا وسام شرف لا منقصة. الحضارة العربيّة هي ابنة الاختلاف والتلاقح بين الشعوب، وفي منابعها الأولى أُوصِيَ ألّا يفضَّل العربيّ على غير العربيّ إلّا بمقدار إنسانيّته، وما تُرمى به اليوم من تعصّب عارض هو انعكاس مباشر لأنظمة سياسيّة متآمرة وخائنة لشعوبها ستتّسع لها مزبلة التاريخ ذات يوم (أقول ذلك وأنا واعٍ للتحدّيات الهائلة التي يواجهها الوعي العربيّ حيال موروثه وحيال واقعه اليوم، في آن معًا).

أين تكمن المشكلة إذًا؟ تكمن المشكلة في أنّنا نتكلّم وندرس اللغتين، اللغة العربيّة واللغة العبريّة، في حين أنّ الآخر القويّ المسيطر المسترخي في حيّزه، الـمُكافَأ على كونه من أبناء إسحٰق، لا يجد ضرورة في أن يعرف لغتنا، وإن اهتمّ بمعرفتها فغالبًا من باب "اعرفْ عدوّك". نُدرة من أولئك، ممّن رافقتهم طالبًا أو معلّمًا، كانوا يلامسون اللغة العربيّة ويعيشونها كجزء من وجودهم الطبيعيّ، وهم سيسمحون لي بأن أشكرهم لأنّهم نموذج جميل يحمل أملًا ما لممارسة الحياة على هذه الأرض باللغتين، أعني ممارسة الحياة بكلّ ما يحمله هذا من معنى، لا على نحو استعراضيّ أو شعاراتيّ أو استخباراتيّ.

لم نخسر عربيّتنا حين تعلّمنا عبريّتكم، بل لعلّ دراسة اللغتين كانت موضع ثراء ومنحتنا مجالًا إضافيًّا للمعرفة. قرأنا شعرًا بالعبريّة، وقرأنا المقالة والقصّة، واكتشفنا -برغم كلّ شيء- أنّنا نحيا مع بشر لا مع كائنات فضائيّة. لم يُخسرنا ذلك لغتنا وهويّتنا ولا انقلبنا على أنفسنا وعلى أدبنا وفنّنا، بل ربّما على العكس من ذلك، تمسّكنا بثقافتنا وأحببناها أكثر، وعرفنا أنفسنا وتاريخنا أكثر. جرّبوا ذلك... ليس هناك ما يضرّ!

ولغتنا تتّسع لكم، لكن لن أصعّب عليكم الحياة وأقول اقرأوا المتنبّي والمعرّي والفارابي وابن رشد... يكفي أن تقرأونا، في البداية، نحن الذين نعيش معكم على هذه الأرض؛ أن تقرؤوا محمود درويش وسميح القاسم، غسّان كنفاني وإميل حبيبي... القائمة طويلة لكن تستحقّ. سيكون ذلك صعبًا في البداية، سيكون كالدواء مرًّا. لكن، في نهاية الأمر، ستكتشفون أنّ الحياة خارج المتاريس أجمل.

حين تقرؤوننا، لن يكون بعد "قانون قوميّة"، ولن تُمعِن القوانين الجائرة في جعل الحياة مجموعة من الحواجز والنقمات، ستصدأ الحواجز وينبت حولها العشب، وستقف اللغة العربيّة إلى جانب العبريّة مساوية لها في كلّ حيّز وعلى كلّ مستوى.

حتّى ذلك الحين، لن يكفّ العرب عن المطالبة بالحقوق الطبيعيّة لبشر طبيعيّين جدًّا، ولن نكفّ بالطبع عن سعينا إلى منح هويّتنا أجنحة وعن اقتراح ذلك عليكم، كما إنّنا لن نكفّ عن الوقوف أمام الحاكم العسكريّ من أيّ حزب كان (لن يهمّ الحزب ما دام الحاكم "عسكريًّا")، كما وقف ذلك الشاعر نفسه قبل نصف قرن، دفاعًا عن حقّنا في الوجود وحقّنا في الغناء، لنقول: "سجّل، أنا عربـيّ!". 

الكاتب يحمل لقب الدكتواره باللغة العربية ويعلمها

למאמר בעברית: יהודים, צאו ללמוד ערבית        

תגובות

משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ