رجاء ناطور

למאמר בעברית: וידוא הריגה

ذكّرَني مشهد وصول جثمان آية نعمانة، استلامه ثمّ الجنازة التي كانت خالية من النساء، بجنازة جدّتي لأبي -الحاجة رحيبة. كانت امرأة قويّة، حادّة، ذكيّة غير مهاوِدة. لم يكن بيني وبينها أي قُرب أبدًا، إذ إنّها بثّت في نفسي ونفوس جميع من حولها الرعب، الخوف والإعجاب في آن واحد. كنت أخشاها، ولكنّني كنت معجبة بها، وفي حضرتها، كان الرجال يخشونها أيضاً فلا ينبسون بحضرتها ببنت شفة. حين ماتت تلك المرأة القويّة المتوهجة  باتت فجأة جثمانًا، غرضًا، كائنًا هيمن عليه وصادره الذكور. ما زلت أذكر القرار الذي اتّخذه الرجال في عائلتي بعدم السماح للنساء بمرافقة الجنازة. قرّر أحدهم إقصائي- أنا ونساء العائلة - عن جنازة جدّتي.

أذكر نفسي أرفض الانصياع لهذا الأمر، مُصرّة، رافضة الاستسلام، لكن في الأساس غير قادرة على فهم هذا الحظر!. أذكر أنّني سرت خلف الجنازة حتّى المدرسة حيث درست كفتاة، حينها توجّه إليّ رجل، لا أذكر اسمه لكني أذكر ملامحه جيداً، وبإيماءات فظّة وعنيفة بيديه أمرني بالعودة إلى البيت. لا تزال الصورة محفورة في ذاكرتي: كان يحرّك يديه بحركات حازمة، حادّة وثابتة - لم يُشِر إليّ بالعودة فحسب، بل خطَّ  خطّاً أحمرأً واضحاً يُحظر تجاوزه.

لا أنقل لكنَّ اليوم هذه القصة لأبث فيكم\ن الضعف، الحزن أو الخذلان، لا بل أنقلها من مكان قوي، شجاع يحدق بها ويفهم  أبعادها. فهناك علاقة بين المحو والإقصاء الرمزيّ عن طقوس الحداد والقتل الجسديّ. إنها ليست مجرّد مسألة منع من حضور مراسم أو إقصاء عن حيّز آخر - إنّها إعلان عن أنّ الرجال يسيطرون على حيّز الحياة ويديرونه، يسيطرون أيضًا على حيّز الممات ويديرونه، يُملون شكل الحداد، الحزن والفقدان. هذا ليس مجرّد حظرٍ على المشاركة في طقوس معينة، وليس إقصاءً عن حيّز ما، بل إنّه إقصاء من نوع آخر. إنّه إعلان على أنّ الرجال يسيطرون على حيّز الحياة وعلى حيّز الممات معاً. إنّهم يُملون علينا شكل الحداد، الحزن والفقدان الذي نشعر به. لكن خطر هذا الإقصاء يكمن أيضًا في محاولة السيطرة على عالمنا العاطفيّ الداخليّ كنساء فلسطينيّات. الإقصاء والمحو من الحيّز ليسا محواً جسديًّا، بل هما عبارة عن محوٍ لعوالمنا الداخليّة، والعاطفيّة، لغتنا ووعينا أيضًا.

إنها آليّة قمع مشحّمة تحفظ وتستنسخ نفسها، والأرقام، في هذا السياق، تتحدّث عن نفسها: خلال العام الحاليّ، قتلت 9 نساء، أربع منهنّ فلسطينيّات. في عام 2108 قتلت 22 امرأة، من بينهنّ ثماني فلسطينيّات؛ في عام 2017، قُتلت 14 امرأة، 4 منهن فلسطينيات؛ وفي عام 2016 قُتلت 18 امرأة، 9 منهنّ فلسطينيّات (معطيات جمعتها صحيفة هآرتس). القتل الجسديّ للمرأة الفلسطينيّة هو نتيجة القتل المعنوي والوعوي القائم منذ البداية في عقول أغلب الرجال الفلسطينيّين. عمليًّا، نحن مقتولات وتمّت تصفيتنا في وعي العديد من الرجال الفلسطينيّينن، فِعل القتل حاضر دائماً. من المستحيل أن ننظر إلى فعل الإقصاء هذا بمعزل عن ظاهرة قتل النساء المبرر ببشاعة تحت اسم جريمة "شرف العائلة".

ومع ذلك، قد يكون الوقت قد حان للتوقّف عن مناقشة الأسباب وفهم الآليّات والدوافع التي يستخدمها القتلة. لأنّ الفهم هو شكل من أشكال التعاطف ولا مجال للتعاطف مع هذه الجريمة. لقد حان الوقت أيضًا لإدراك أنّني أنا ومئات النساء الفلسطينيّات لا نملك القدرة على وقف وباء القتل هذا، لأنّنا مشغولات بمحاولات يائسة للعيش بكرامة، أمان دون خوف ودون أن نُقتل. من السذاجة أن نطالب الضحايا اللاتي لا يملكن الوسائل والأدوات والميزانيّات وقف ظاهرة يجب أن يتحمّل مسؤوليّتها مجتمع ودولة بأكملها. ليست لديّ أيّ نية للإشارة إلى شرطة إسرائيل، منظمّات المجتمع المدنيّ، المنظمات النسائيّة وأعضاء الكنيست، والادّعاء أنّهم لا يؤدّون واجباتهم. إنّه خطاب آن الأوان لتغييره، قلبهِ وادخال المزيد من اللاعبين إليه، أعني المتفرجين على أنواعهم. أنا أتحدّث عن القتلة، أنا أتحدث عن الرجال في حياتنا: الإخوة، الأزواج، الأصدقاء، الشركاء والزملاء الخ... لا يمكنكم مواصلة الجلوس على الحياد إنها معركتكم بالضبط كما هي معركتنا. لا يُفترض فيكم تبنّي الموقف المتعاطف الذي يتبنّاه كلّ الجالسين على الحياد، بل يُفترض فيكم أن تكونوا معنا في هذا النضال، فدوركم هامّ ومركزيّ ولا تملكون امتياز الحياد!.

أما عنا كنساء فلسطينيّات، واجبنا الحثّ على التمرّد بل التثوير. نعم، حثّ أجيال  الشابّات والنساء الفلسطينيّات على التمرّد. أن نطلب منهنّ ألّا يسِرن مع التيّار والّا يقبلن الإجماع الاجتماعيّ والدينيّ الذي يمحوهنّ ويسكتهنّ؛ أن نعلمهنّ كيف يواجهن الإملاءات الاجتماعيّة، التقليديّة والدينيّة التي تهدف إسكاتهنّ ومحوهنّ، ومن ثمة وقفها وهي ما تزال بعد بمهدها؛ التحدّث بصوت مسموع وواضح ضدّ كلّ حالة يتمّ فيها إلحاق الأذى الجسديّ، النفسيّ والاقتصاديّ بهن. دورنا هو تذكيرهنّ بعدم الصمت، الاستسلام، الخجل أو الموافقة.

لنسف هذه المنظومة وإزالة هذه الإملاءات، هناك حاجة إلى نضال مستمرّ يمتد إلى كل لأجيال القادمة من النساء الفلسطينيّات اللاتي سيأتين بعدنا. سيكون نضالا طويلا، مرهقًا وصعبًا، لكن لا خيار آخر أمامنا.


الكاتبة محرّرة زاوية الآراء باللغة العربيّة- هآرتس

למאמר בעברית: וידוא הריגה

לחצו על הפעמון לעדכונים בנושא:

תגובות

הזינו שם שיוצג באתר
משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ