في خدمة الخوف

חנין מג'אדלה
חנין מג'אדלה
מעבר לטוקבקיםכתוב תגובה
הדפיסו כתבה
פלסטינים מטפסים על חומת ההפרדה ליד רמאללה, ביום שישי
الجدار الفاصل: الجدار دليل على خوف منظومة الاحتلالצילום: AFP
חנין מג'אדלה
חנין מג'אדלה

למאמר בעברית: גבולות משרתים רק את הפחד ואת העוינות

رغم بعد مرور ثلاثين سنة على سقوط جدار برلين، ما زلنا كبشر، محاطين أو نحيط أنفسنا والآخرين بالأسوار والجدران.

أمقِتُ الحدود. فقد عانيت منها  منذ صغري، الحدود الماديّة، العاطفيّة، المرئيّة منها والمخفيّة. أول حدود ارتطمت بها كانت  الحدود مع الجيران- "حدود" مصنوعة من حديد فصلت بين حارتي والحارة المجاورة. اصطدمت مباشرة بتلك الحدود في محاولتي الأولى لركوب الدراجة الهوائية، وما زلت أرى أثر الصدمة والسقطة في ندوب وجهي بالمرآة كلّ يومٍ. صدمتي الثانية مع الحدود كانت عبارة عن خلل تقني على الحدود بين دولتين. تأخرت بسببها في المطار لساعات دون أكل، دون ملابس نظيفة ودون نوم. كانت الحدود مرّة أسوار مدرستي الخاصّة والنخبويّة التي فصلتني عن الأولاد الآخرين الأقلّ حظًّا مني. كما كانت مرّة حدودًا غير مرئيّة فصلت بين الحيّ الجميل في مفاسيرت تسيون، الذي سكنت فيه لمدّة عام، والحيّ الذي سكنه القادمون من إثيوبيا. هذه هي بعض الحدود الماديّة، لكنّي إن أردت أن أبدأ بتعداد الحدود العاطفيّة، لاستغرقني الأمر أيامًا طويلة.

نشأت في مدينة حدوديّة؛ باقة الغربيّة. تاريخيا وكما تعلمون، تم رسم الحدود الأولى على خرائط أوراق اتفاقيات رودوس عام 1949؛ ما سمي وقتها اتفاقيات وقف إطلاق النار. لكن ورغم مرور الوقت لم يتغيّر شيء على الاطلاق في واقع حياتنا. في السابق وفي طفولتي، كان سوق الفواكه والخضروات بين البلدتين- باقة الغربيّة وباقة الشرقيّة الحدود التي عرفناها كلنا. كان السوق مع حدوده المكان الذي يزوره الجميع، الباعة والمشترون من كلا الطرفين. في الوقت الراهن بين باقة الغربية والشرقية هناك حدود من نوع آخر، هناك جدار فصل عنصري يتحكّم ببوابته الجيش، ويُفتح على مزاج الجنود. لا أتذكر سوى بشاعة هذا الجدار الذي يفصل بين الناس، يمنع تدفّق المياه الطبيعيّة، حركة الحيوانات البريّة، يحجب المنظر الطبيعيّ ويغيّر صورة الحيز كله.

سافرت مؤخرًا إلى سان دييجوا المدينة التي تقع في ولاية كاليفورنيا، ضمن زيارة  دعتنا إليها ناشطة اجتماعيّة أمريكيّة مكسيكيّة. سافرت بصحبة صديقين، لزيارة  مدينة تيخوانا، أكبر المدن المكسيكيّة الحدوديّة في العالم. عبرت الحدود بقلب مثقل، وبشعور كبير بالاشمئزاز من كل الحدود. كان الحيز الذي رأيناه عبارة عن جدران فوق جدران وحديد فوق حديد. كان هذا المنظر قمة "تجلي" نهضة عمران رئيس الولايات المتحدة ترامب، الذي اقترح إطلاق النار على المتسللين ووضع تماسيح في المعبر لمنع الهجرة غير القانونية. لكن التمساح الوحيد الذي شاهدته، خلال زيارتي تلك، كان جدار الفصل الذي شق الماء بجسده الاسمنتي.

تنّفست بصعوبة. "هل كل شيء على ما يرام؟" سألتني مضيفتي، فأجبتها بأنني أشعر بالأسى، الاختناق ولا أستطيع الكلام. صمتنا، لم تكن مضيفتي لتعرف أن صورة جدار الفصل العنصري في البلاد محفورة في ذاكرتي وأنها ما يخنقني بالفعل. قد تكون الحدود هنا مختلفة جدًا: فتاريخ الحدود غير متشابه وظروف بناء جدران الفصل العنصري هنا وفي البلاد مختلفة. حدود هنا كانت مختلفة، في تحتوي على دكاكين ومحلات تجارية رائعة بأسعار مدهشة، ذكّرتني بغلاء الأسعار في البلاد. كان عبور هذه الحدود أمرا سهلا، حيث رافقته ضحكات وأمنيات بيوم سعيد للمارين وللموظفين. حراس الحدود هنا مختلفون عن أفراد حرس الحدود، الجنود أو الشركات الأمنيّة، الذين يسجنون شعبًا آخر وراء أسوار اسمنتيّة  طولها ثمانية أمتار. تبدو الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك مختلفة، ومع ذلك فالحدود تبقى حدودا، وهي تشعرني دومًا بعدم الراحة وبالألم.

لم تكن هذه الزيارة الأولى التي أقوم بها لتيخوانا إذ زرتها في الماضي، لكن كلّ ما أذكره منها هو الفقر، الأسى والأوساخ. أذكر أيضًا أنّه تمّ تحذيري من زيارة تلك المدينة التي تعتبر أخطر مدن العالم. فقد قيل لي في كاليفورنيا إنّ عبور الحدود إليها أمر خطر: "قد تدفعين حياتك ثمنًا لفضولك هذا". يا الله كم يبدو كلّ ما  وراء الحدود، مخيفا، مرعبا ومظلما. حالفني الحظّ هذه المرة في زيارة المدينة برفقة إحدى بناتها، التي تعتزّ فيها وتحبّها. لقد وُلِدَت مضيفتنا في تيخوانا وعبرت الحدود كل يوم لمدرستها في سان دييغو، في وقت لم تكن فيه هذه الحدود موجودة أصلا.

بفضل مضيفتنا، ظهرت أمامنا مدينة أخرى، تختلف تمامًا عن صورتها في مخيّلتي. لم يختفِ الفقر لكنّه أخذ شكلًا آخر، لم تتبخّر الأوساخ، لكنّها لم تسيّطر على منظر المدينة كما صورت ذاكرتي. لم يختبئ الخوف، بل على العكس كان حاضرا وتحدثنا عنه مع مضيفتنا. كما تحدّثنا معها عن الحراك الاجتماعيّ في المدينة. التقيت بسكان المدينة الذين كانوا وجه تيخوانا الحقيقيّ، مدينة تضجّ بالحياة بمطاعمها المدهشة التي تقدّم طعامًا شرق أوسطيّا، آسيويًا وأرمنيًا كذلك. كانت وما زالت هذه المدينة الحدوديّة موطن أشخاص من خلفيات وثقافات مختلفة يحتفلون بأعياد ومناسبات مختلفة. في تيخوانا المدينة المتوحشة الجريحة حياة ليليّة صاخبة، أنشطة ثقافيّة، والكثير من النشاط السياسيّ الفاعل. كان هذا اللقاء المركب بهذه المدينة نقيض كلّ ما قرأته وسمعته، لكنه كان نقيضا أسعدني بالفعل!.

بالإمكان رؤية الحدود من كلّ مكان، بل ويعرف الجميع مكانها دون الإشارة اليها. فاجأتني هذه المدينة المتنوّعة والحيّة، وجعلتني أخجل من خشيتي منها. فقد قرأت بدوري أنّ عائلات الإجرام تعيش هناك وأنّ سيّاحًا ساذجين مثلي قد يقعون في فخها.

فصلت الحدود مجدّدًا بين الناس، الذين لم تسنح لي الفرصة حتى برؤيتهم. كان من الأسهل عليّ، كامرأة عابرة للحدود، تملك امتيازات يمنحها جواز سفر أجنبيّ، أن أتجاهل الناس بل وأرى الفقر، الوسخ والخطر فقط. اخترت ذلك بشكل غير واعٍ، وحوّلت الناس إلى كائنات غير مرئية.

هذا ما تفعله الحدود تنزع الإنسانيّة بارتفاعها واسمنتها، فلا شيء وراءها سوى الفقر، القمامة والخوف. أما الآخرالذي يقبع وراءها فهو وحش ويجب زجّه في السجن. في كلّ مرّة أرى فيها الجدار أفكّر: من السجين؟ وأي جهة هي السجن الحقيقي؟

يُسوق الحوار الإسرائيلي السائد الجدار على أنه الأداة الوحيدة للحماية من الفلسطينيين، أختلف مع هذا الرأي جوهريا. تفصل الجدران بين الناس كما وأنها لن توقف الحرب، بل بالعكس  ستساعد على استمرار حالة الحرب، ستخلّد الكراهية وانعدام الأمن. بالإمكان اختراق الجدران دومًا، لكن الأمر لكن لا يمكن بناء أي علاقة من وراء الجدار. كنت بحاجة لابنة البلد، التي تعتزّ بمدينتها، والتي عاشت  على جهتي الحدود، لأفهم أنّ الحدود غالبًا ما تخدم الخوف بل وتجعله عملاقا وخياليا بأغلب الأحيان. في نهاية الجولة قالت لي مضيفتنا إنّها عبرت الكثير من الحدود، لكن الحدود الوحيدة التي آلمتها وأحزنتها، كانت تلك التي شاهدتها في بيت لحم.

الدكتورة حنين مجادلة زميلة في شحريت ومعهد مندل، ومحاضرة في كلّيّة القاسمي

למאמר בעברית: גבולות משרתים רק את הפחד ואת העוינות

תגיות:

תגובות

משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ