ما لم أقله لابني عندما قصفت إسرائيل بيت سواركه

מוחמד עזאיזה
מוחמד עזאיזה
מעבר לטוקבקיםכתוב תגובה
הדפיסו כתבה
הלווייתם של בני המשפחה, אתמול בדיר אל-בלח
غزة: هل أهرب إلى أوروبا، أم انتظر دوري للموت بغزة؟צילום: AFP
מוחמד עזאיזה
מוחמד עזאיזה

למאמר בעברית: דברים שהעדפתי לא לומר לבני

رنّ هاتفي عند الساعة 5:45 من صباح يوم الثلاثاء، الثاني عشر من تشرين الثاني 2019. رنين الهاتف في ساعة مبكرة كهذه ليس أمرًا مألوفًا في بيتي. "صباح الخير، اليوم لا توجد مدرسة" أبلغني سائق السيّارة التي تقِلُّ أولادي إلى مدرستهم. "لماذا؟" سألت، فأجاب: "لقد قاموا باغتيال بهاء أبو عطا، وأعلنت وزارة التربية والتعليم العالي عن تعطيل الدراسة اليوم". سألني ابني كريم، تلميذ الصفّ الثالث، الذي أيقظه رنين الهاتف الغريب، عن هويّة المتّصل، فأجبته أنّه يحيى، السائق، اتّصل لإبلاغي عن تعطيل المدارس. ابتسم كريم، كأنّه حاز على جائزة، ولم يكلّف نفسه حتّى عناء سؤالي عن سبب هذا التعطيل غير المتوقّع.  خلال محادثتي القصيرة مع ابني، بحثت في المواقع الإخباريّة عن معلومات لأفهم ما الذي يجري، فأدركت مباشرةً أنّنا على أبواب تصعيد جديد قد يكون مثل سابقيه، وقد لا يكون مثلهم.

عند سماع دويّ الانفجار الأوّل في محيط المدينة، بدأت تعابير الوجه تتغيّر، كما تغيّرت معها المشاعر. استبدل كريم ابتسامته العفويّة بنظرة قلقة وخائفة، ثمّ سألني: " بابا، هل هذه حرب؟"، أجبته أنّها ليست حربًا، وأنّ عليه ألّا يقلق، فكلّ شيء سيكون على ما يرام. لم أكن متأكّدًا من إجابتي، ولكنّني لم أعرف كيف أشرح لابني ماهيّة الحياة في غزّة، حيث إنّ قدرنا، نحن أهل غزّة، ليس بأيدينا. نخلد للنوم في واقع معيّن، ونستفيق على واقع آخر. تبدأ الهواجس بمطاردتنا كلّما سمعنا تفجيرًا: أين كان هذا التفجير؟ من فقد حياته؟ من أصيب؟ كما تطاردنا، في نفس الوقت، نظرات الأطفال الملآى بالخوف والقلق، وعيونهم المتوسّلة إلينا وكأنّها تقول: احمونا من الخوف والموت. ولكن، ليس باليدّ حيلة. إلى أين يمكننا أن نأخذهم ونحن في غزّة؟ لا يوجد ملجأ ولا مكان آمن. إنّه هذا الإحساس اللعين الذي يغزوك مع كلّ تصعيد. إحساس بانعدام الحيلة والعجز عن حماية أغلى ما عندك. تحاول الهرب من غرفة إلى أخرى، وكسب بعض الوقت من خلال الضحك والهرج مع الأطفال، ولكنّ كلّ دويّ جديد يذكّرك بأنّك تعيش في غزّة. يمرّ شريط ذكرياتك في مخيّلتك، شريط آمالك والتحدّيات التي واجهتك، وتستعيد ما نجحت بإنجازه وما تخطّط القيام به، وتتذكّر أنّ الموت لا يؤلم الموتى، ولكنّه يحرق الذين يبقون على قيد الحياة.

مع انبلاج فجر يوم الخميس؛ يوم التصعيد الأخير، استيقظت عند الساعة 1:30 على صوت دويّ هزّ كلّ دير البلح. توجّهت لغرفة أطفالي وتنفّست الصعداء لأنّهم لم يستيقظوا، وأنّني معفى هذه المرّة من نظراتهم. سألت نفسي إذا كان هذا الكابوس سينتهي، وسمعت في نفس الوقت صوت صفّارات الإسعاف، وبدأت الأخبار بالانتشار كالنار في الهشيم. لقد قصفوا بيتًا بينما كان سكّانه في داخله. إنّها عائلة السواركة. أربعة، خمسة، ستّة فقدوا حياتهم، من بينهم أطفال أيضًا. طَفت في مخيّلتي صور مدنيّين؛ مثلي، وهم يبحثون عن المفقودين بين الرمال، ويسحبون الأطفال من فرشات نومهم ويرمونهم إلى فراش الموت، من دون أيّ رحمة. وكأنّنا نعيش في كوكب آخر.

لم أغفُ حتّى الصباح، ومع بزوغ الفجر، عندما تبيّنت فظاعة الجريمة، كانت الصدمة صاعقة. يدور الحديث عن عائلة بسيطة تعيش في مبانٍ من صفيح. أعرف أفرادها جيّدًا. لقد عاش أفراد هذه العائلة في ظروف قاسية جدًّا، حتّى قبل أن تلقي عليهم طائرات الحرب الإسرائيليّة القنابل. عندما انتهت عمليّة إخراج الجثث من بين الركام، تبيّن أنّ فقط طفليْن بقيا على قيد الحياة؛ طفل رضيع عمره شهر واحد، وطفلة صغيرة. تلاحق كاميرات الصحافيّين الطفلة الصغيرة في المستشفى، ويسألونها حول ما حصل وكيف تشعر. سأجيبكم بدلًا منها: لقد فقدت عائلتي برمّتها، أنا وحيدة، لماذا قصفونا؟ أمّا ردّ الطفلة كان: لقد كنت خائفة ولم أنم. هربت بعد القصف الأوّل، ومن ثمّ هُدم المكان عن بكرة أبيه. لن أرى أبي وأمّي وإخوتي بعد اليوم، لقد فقدتهم جميعًا، لقد خسرتهم جميعًا. يسأل المرء نفسه حينها: لماذا قصف الجيش الاسرائيلي هذه العائلة؟ وعندها نقرأ أنّ الجيش يقول إنّ القصف كان عن طريق الخطأ. خطأ؟ هذا إثم كبير وجريمة يجب أن تؤرق ضمير الجميع، بما في ذلك المجتمع الدوليّ، ولكنّه على الأرجح لن يقوم بأيّ فعل يُذكر.

من المفروض أن نستخلص العبر من تجارب الحياة، حتّى الحرب على غزّة. العبرة التي تجبرك الحرب على غزّة استخلاصها هي أنّ الحياة رخيصة وعديمة القيمة في معادلة نتيجتها صفر، لأنّك قد تكون فيها أنت الهدف التالي عن طريق الخطأ، وعندها، ستكون حياتك وعملك الذي تحبّه وأصدقاؤك والممتلكات التي جمّعتها وملابسك وضحكات أطفالك وبيتك والنباتات التي تعتني بها، وحتّى قهوة الصباح، كلّها ستصبح كأنّها معدومة القيمة.

وضعت المعارك أوزارها، ولا نعلم إذا كانت الجولة القادمة قريبة أم لا. عدنا إلى "الحياة الروتينيّة": ما زالت البيوت موصولة بالكهرباء لمدّة ثماني ساعات، ومفصولة عنها لمدّة ثماني ساعات، وما زالت حنفيّات الماء غير موصولة بمياه الشرب. ما زال معدّل البطالة والفقر في تصاعد، وحالة المواطنين الماديّة فظيعة، وما زلنا جميعًا نعاني من مآزق اقتصاديّة ونفسيّة. تحاول إسرائيل، وأيضًا العالم، غضّ النظر عن الوضع في غزّة والتعامل مع الأعراض فقط. تفرض إسرائيل منذ سنوات حصارًا على قطاع غزّة، المكان الأكثر كثافة في العالم. وتطلب من سكّان القطاع، المسجونين في بلدهم، أن يتحمّلوا مسؤوليّة صعوباتهم الحياتيّة.

ما هو الحل؟ أوّل شيء يُفكّر فيه الأسير هو الهروب. هل أهرب إلى أوروبا كما فعل صديقي، هناك حيث سيستيقظ أبنائي بأمان، ويركبون الدرّاجة الهوائيّة للذهاب إلى مدارسهم، دون خوف أو قلق، في دولة تسودها العدالة والمساواة وسلطة القانون، أم يتوجّب عليّ أن أنتظر في غزّة حتّى يأتي دوري وأكون أنا الهدف القادم؟

ولكن، على الرغم من كلّ شيء، وعلى الرغم من الوضع الصعب الذي يعيشه الغزّيّون الذين يتوقون للحريّة والسلام، إلا أنّ غزّة حيّة تنبض في قلوبهم، ولا زال أطفال وطفلات غزّة ينتظرون حلول مستقبل أفضل، ويطمحون لبناء مستقبلهم هنا في قطاع غزّة.

الكاتب من سكّان قطاع غزّة، وهو موظّف ميدانيّ في منظّمة "غيشاه-مسلك"- مركز للدّفاع عن حريّة الحركة للفلسطينيّين 

למאמר בעברית: דברים שהעדפתי לא לומר לבני

תגובות

משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ