إن شئت كما في السّماء

مي عرو
מעבר לטוקבקיםכתוב תגובה
הדפיסו כתבה
ايليا سليمان
سينما: "لا بدّ أنّها الجنّة" يقول العنوان بالانجليزيّة بغموض، ويدرك الجميع بأنّها كلّ شيء عدا الجنّةצילום: AP
مي عرو

למאמר בעברית: It Must Be Heaven

"إن شئت كما في السّماء" هو أحدث أفلام المخرج الفلسطيني إيليا سليمان، الذي ألّف وأخرج ومثّل الدّور الرئيسي فيه ليحوز هذا الفيلم الشبه صامت على جائزتين في مهرجان كان للأفلام في مايو 2019، جائزة النّقاد والذّكر الخاص.

تدور أحداث الفيلم حول رجل يترك بلاده بحثاً عن وطن بديل ويهاجر بداية إلى باريس ثمّ إلى نيويورك تماماً كما فعل إيليا سليمان في حياته الحقيقيّة. في الفيلم، الذي عُرض لأوّل مرة في النّاصرة وحيفا خلال شهر أوكتوبر الأخير، يصوّر لنا المخرج باريس ونيويورك بعيون فلسطينيّة تتأمّل وتحلّل كلّ ما حولها من خلال تجارب ومشاعر يفهمها ويدركها كلّ فلسطيني سواء مرّ بتجربة الهجرة أم لا.

يظهر جلياً من العنوان ذكاء المخرج وأسلوبه السّاخر في انتقاء كلمات مراوغة، قليلة لكنّها تقول الكثير. من اللّحظة الأولى يُمعن المشاهد الفلسطيني النّظر في العنوان "إن شئت كما في السّماء" ويتسائل: أحقا؟ كم يبعد واقعي عما أشاء؟ ثم ّ يعيد النّظر مرغماً في مشيئته وما يريد. "لا بدّ أنّها الجنّة" يقول العنوان بالانجليزيّة بغموض، ويدرك الجميع بأنّها كلّ شيء عدا الجنّة.

يحتكر سليمان الدّور الرئيسي ليتأمّل بصمت ما يدور حوله من حياة بينما تدور معه الكاميرات من النّاصرة إلى باريس ونيويورك. مشاهد خالية من الكلام تجبرك على التّفكير والاجتهاد: ما الذي يدور برأس هذا الرّجل الجالس أمامي عبر الشاشة  بكسل مع كأس نبيذ أو فنجان قهوة، ماذا يحاول أن يقول؟

في النّاصرة، يكتفي البطل باستراق النّظر من شرفة بيته كأنّه ضيف، ويصوّر انعدام الخصوصيّة على شكل الجيرة الّتي تعطي نفسها الحقّ بمقاسمتك القليل الذي تملك بمزيج من السّذاجة والصّفاقة. يفتح الجار باب البيت ويدخل إلى الحديقة ليروي ويسقي الأشجار حتّى يظنّ المشاهد بأنّه صاحب البيت. يتماهى المشاهد مع مشاعر المخرج بسهولة، كلّنا نعرف هذا الشّعور بالضّيق والاختناق، البيت ضيّق والحمار رفّاس، وأما سليمان فيختار السّفر ليبحث عن وطن بديل.

في باريس تتمايل الموضة في الشّوارع على هيئة بشر يتحرّكون، الملابس الألوان النّساء، زاهيات فخورات يحطن بالضّيف الغريب من كلّ صوب ولا يلتفتن إليه ليغوص في صمته أكثر وأكثر ويبدو، برغم كلّ الجمال المحيط به وحيداً لدرجة كبيرة ممّا يدفع المشاهد على التّساؤل ما إذا كان يستمتع أم يعاني، أو ربّما كان ساكتاً لأنّه لا يُتقن لغة الكلام الفرنسيّة؟. فأمّا الفيلم فيتّسع لمزيد من الأسئلة ويشير إلى ما يراه الفلسطيني دون غيره من وجود مكثّف للشّرطة في كلّ مكان، كأنّه فارٌ من العدالة ويجب القبض عليه، ويتم تتبعه دون غيره، ولكن سليمان يوضّح من خلال المشهد في المطعم، بأنّ للشّرطة في بلاد الغرب وظائف أخرى لا تخطر على بالنا نحن العرب، كأن تفحص قياسات الرّصيف وتنبّه أصحاب المطاعم بعدم تجاوز المساحة المخصّصة لهم، كأن تشكرهم عندما يقومون بذلك. يُراقب المشاهد الأحداث ويتنفّس الصّعداء، فالشرطة ليست هناك من أجله، ليست هناك من أجلي.

في نيويورك، يصوّر المخرج واقع العنف وآفة السلاح بمبالغة بارعة، يعيش البشر مع الأسلحة وكأنّها يد ثالثة، يتأمّل كل ذلك بصمت لا تكسره سوى جمله واحدة يقولها لسائق سيّارة أجرة ثرثار "أنا فلسطيني من النّاصرة". جمله تلخّص أزمة الهويّة والوطن المكثّفة في المشاهد المحبوكة بذكاء، حيث يبدو لوهلة بأنّ الأشياء لا تحدث على الشّاشة، بل في مخيّلة المشاهد.

ينتهي الفيلم في مشهد حديث لشباب وشابّات يرقصون على أنغام أغنية "عربيّ أنا" في بار إحدى المدن، الرّقص كوسيلة مقاومة واحتجاج، الرّقص كلغة حديثة قد لا يفهمها الجميع ولكن ليس بالإمكان تجاهلها. ومن واقع الفيلم إلى واقع الحياة الحديثة في المدن المختلطة في البلاد، يعلّق المخرج آماله على كاهل جيل جديد لم يعاصر الحرب والإحتلال، جيل لا يعرف الخوف.

بأسلوب فنّي حديث وغير مألوف يصنع سليمان من واقع حياتنا أفلام، يجرّد المشاهد من الكلام، يترفّع عن الشّرح والتّفسير ويوظّف الموسيقى: "بحلم معاك" تغنّي نجاة الصّغيرة في الفيلم، ليحلُم كلّ فلسطيني بوطن، لنشعر نحن المشاهدين البسطاء للحظة بأنّنا نفهم وندرك ما يقدّمه المخرج لنا.

يطل هذا الفيلم بعد غياب عشر سنين على الإنتاج السينمائي الأخير للمخرج إبن النّاصرة، غريباً قريباً كصاحبه، نشعر به وبتفاصيله بعمق ولكنّنا قد نعجز عن تفسير طيّاته ونتوه في دهاليزه، فهو يتحدّث عنّا ولكنه لا يخاطبنا بلغتنا، وكأنّه ليس لنا، بلغة سينمائيّة مهنيّة تثير الإعجاب والقلق يقدّم إيليا سليمان تحفة فنيّة للعالم هي أشبه بالمحّار الثّمين، لا تستسيغه كلّ ذائقة.

الكاتبة مديرة مجال اللغات في مبادرات إبراهيم

למאמר בעברית: It Must Be Heaven

תגובות

משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ