بمناسبة 30 عامًا على عمل بتسيلم

סלמא א-דיבעי
סלמא א-דיבעי
מעבר לטוקבקיםכתוב תגובה
הדפיסו כתבה
سلمى الدَّبعي
احتلال: سنظل أنا ورفاقي الباحثين في بتسيلم نقاوم الاحتلال بآلة التصوير والقلمצילום: אבישי זיגמן
סלמא א-דיבעי
סלמא א-דיבעי

למאמר בעברית: לרגל 30 שנה לבצלם

قبل 30 عامًا بدأت بتسيلم مسيرتها وفي مثل هذا الشهر قبل 16 عامًا بدأتُ عملي مع بتسيلم. أردت العمل في بتسيلم لأنّني أردت أن يعرف العالم أنّ ضحايا شعبي ليسوا أرقامًا يتداولها الإعلاميّون في نشرات الأخبار وأنّ المنازل التي تُهدم ليست أطنانًا من الحجارة. في كلّ بيت هناك ألف قصّة وألف حكاية لشعب وصلت معاناته مع الاحتلال حدّ الاحتراق. شعب يئنّ منذ سنوات طويلة تحت وطأة الاحتلال وجبروته العسكريّ الذي يتجاهل كلّ القيم الإنسانيّة السامية، مواثيق حقوق الإنسان والقانون الإنسانيّ الدوليّ.

يأتي هذا الإصدار الجدي "غيض من فيض، ضحيّة كلّ سنة على مدار 30 سنة" ليعيدني إلى ذكريات أليمة وقصص موجعة نغوص فيها أنا وزملائي الباحثين في الضفة والقطاع والمكتب بأدقّ درجات الموضوعيّة والحياديّة. نأخذ على عاتقنا نشرها وتوثيقها لأجل إحقاق العدل والحرّية والمساواة.

ولكنّ نحيب الأمّهات وأحزانهنّ وصور جثامين الشهداء المضرجين بدمائهم، صور أطفال يطوّق الجنود رقابهم آباء يقفون أمام حجارة منازلهم يخفون دموعهم، كلّها تلاحقني وتطرد النوم من عينيَّ. تقول لي لا نريد أن نكون سطورًا في كتاب أو صورًا على الجدران. نريد إنهاء الاحتلال نريد أن نعيش بحرّية وكرامة وعدل.

كيف يمكن أن أنسى أمّ إيهاب مثلًا؟ لقد ارتجف قلمي وكاد قلبي يتوقّف. وضعت قلمي ولملمت أوراقي وخرجت مسرعة لأنّي لو بقيت دقيقة واحدة لانهرتُ أمامها وارتميت في أحضانها أبكي وأنتحب. كيف لأمّ أن تلملم أشلاء ابنها المتناثرة وتعيد إلصاقها بجسده! إنّه شيء لا يُصدَّق ولا يُعقَل. لقد استُشهد إيهاب وهو في الـ17 من عمره واقتُلعت عين بهاء ابنها الثاني وهو في الـ16 من عمره وأصيب زوجها إصابات بليغة. ما زلت أشمّ رائحة الموت في ذلك البيت الصّغير الذي أغرقته الدّماء في أحد أزقّة البلدة القديمة في نابلس عام 2004. لقد أحدثت بي هذه الشهادات ندوبًا لا يداويها الزّمن.

كيف لي أن أنسى نظرة عينيها عندما أخبرتها لاحقًا أنّ السّلطات الإسرائيليّة أغلقت الملفّ دون التوصّل لأيّة نتيجة وأنّ القاتل لا يزال ينعم بالحرّية ويحصل على معاملة الأبطال. كيف لا وكلّ الانتهاكات حتى أقساها وأفظعها مباحة في ظلّ الاحتلال: روحك، جسدك، منزلك ، أولادك وأدقّ تفاصيل حياتك مستباحة. أصبحنا لا نريد شيئًا سوى أن ننعم بقليل من الهدوء والسّلام. أن نستيقظ في الصّباح على مهل ونحتسي القهوة على صوت فيروز!

لكنّ شعبي يتجرّع الاحتلال بقسوته وجبروته بكل أشكال التمييز والعنصريّة كل يوم. هذا ما يفعله الاحتلال يسلبك أبسط الحقوق. تستيقظ في الصّباح لتحمد الله أوّلًا أنّك تستيقظ في فراشك آمنًا، لا على أيدي جنود يجرّونك من فراشك، يجرّدونك من ملابسك بحجّة التفتيش، يفزعون أطفالك من نومهم ويلتقطون الصّور ويسألونك عن اسمك ورقم هاتفك ويغادرون ليتركوك مذهولًا أمام ما حدث. يتركونك مع سؤال لماذا؟ الذي لا تجد له أي جواب.

أن تكون باحثا ميدانيا في بتسيلم يعني أنّك سوف تتأرجح في أرجوحة الاحتلال بين الحياة والموت لا لكونك فلسطينيًّا وحسب. وإنّما أيضًا لكونك باحثًا أو باحثة في بتسيلم، تحمل قلمًا وكاميرا وتؤمن بكرامة الإنسان وحرّيته وحقّه في حياة كريمة وآمنة. أن تكون ناشطًا حقوقيًّا يعني أن تعمل ليل نهار دون كلل أو ملل بلا إجازات، دون أن تحظى بيوم واحد آمن من الخوف القلق والأخبار السيّئة - فالاحتلال لا يفرّق بين النّور والظلام.

أن تكون ناشطًا حقوقيًّا في بتسيلم يعني أن تكون معرضًا لظلم الاحتلال وانتهاكاته بما في ذلك الاحتجاز، الضرب والتنكيل وشتّى المضايقات. أمّا الباحثات الميدانيّات فقد أثبتن على مدار السّنوات أنّهنّ قادرات على العمل جنبًا إلى جانب زملائهنّ الباحثين الميدانيّين الرجال تحت أصعب الظروف وأحلكها. أنا أعمل في نابلس، زميلتي ألفت الكرد في غزّة ومنال الجعبري في الخليل نعمل بكلّ عزم واثقات ومؤمنات بقيمة وأهمّية دورنا الإنسانيّ لنثبت للعالم أنّ المرأة الفلسطينيّة قادرة على العمل في كلّ الميادين، وقادرة على تخطّي الصّعاب والحواجز. رغم أن هذا العمل الميداني ليس سهلا في مجتمع ذكوريّ منحاز للذكور في كلّ تفاصيله ويرى أنّ هذا عمل يتقنه الرجال فقط.

نحن نؤمن أنّ التغيير يحتاج للكثير من الوعي، الصّبر والوقت فكلّما اتّسعت مساحة الوعي ضاقت مساحة رفض واقصاء الآخر. لذلك سوف نمضي قدُمًا بقوّة وإيمان وخطًى واثقة لأنّنا نريد أن يكبر أطفالنا وكلّ أطفال العالم بأمن وسلام. نريد أن يتعلّم أطفالنا أنّ الطائرة صُنعت لنقل الركّاب، البضائع والأدوية لا لقصف المباني والمستشفيات وإزهاق الأرواح. نريد أن يعرف أبناؤنا أن المدارس أُعدّت للتعليم لا لتصبح ملاجئا نهرع للاحتماء فيها حين تدق طبول الحرب. نريد أن يعرف أبناؤنا أن الألوان المفرحة التي تزين السماء هي ألعاب ناريّة، وليست صواريخا وقنابلا. نريد أن نعلّمهم أنّ التراب لزراعة الزهور وليس قبورا. نريد أن نعلّمهم أنّ الأرض تتّسع للجميع بكلّ أطيافهم، ألوانهم، دياناتهم، لغاتهم ومعتقداتهم وأنّنا خُلقنا في هذا العالم من أجل إعماره بالمحبّة والعلم، لا لهدمه وتخريبه عبر شيطنة الآخر ونشر ثقافة العنف والحرب.

أنا ورفاقي الباحثين والباحثات منحازين لمبادئ حقوق الإنسان الأساسيّة وكرامته ونرفض كلَّ أشكال الظلم، العنف والاستبداد. وسنظل نرفع شعلة الأمل لأنّ أجمل الأطفال لم يولدوا بعد، وأجمل الأيّام لم نعشها بعد.

الكاتبة باحثة في بتسيلم- منطقة نابلس

למאמר בעברית: לרגל 30 שנה לבצלם

תגובות

משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ