صديقة الرّمل تنحت المشاعر وتُجسد الحكايات

خالد منصور
מעבר לטוקבקיםכתוב תגובה
הדפיסו כתבה
صديقة الرّمل
صديقة الرّمل - رانا الرملاوي
خالد منصور

למאמר בעברית: משחקת החול

في ساحة بيتِها الرملية الصغيرة تقف الغزيّة رانا الرملاوي ابنة 23 عاما عابثةً بالرمل بعد أن رشّته بالماء ليصبح رطبًا صالحًا للتشكيل، تنحت رؤوسًا وأجساد وعيونًا وأفواهًا بعضها صارخ وآخر سعيد.

صديقةُ الرّمل الشابّة، لا تملّ من النحت على الرمل اليوم بطوله، يتخلل عملها بضع دقائق استراحة وفنجان قهوة مع قطعة شوكولا، وفي الليل تغفو تحاصر منحوتاتها أحلامها.

تقول:" أنْ تُحب شيئًا يعني أن تُبدِع فيه فيشغل معظم وقتك، وأنا أحببتُ الرّمل منذ طفولتي".فمنذ الصغر كانت رانا تعشق اللعب بالرمل والتشكيل بالطين، فتصنع أشكالًا صغيرة جميلة ومبهرة، حتى كبرت وبات الطين لا يروق لها.  تقول: "بدأتُ أفكر في تشكيل أشياء ضخمة، فالصغيرة لم تعد تعبر عن كل مشاعري وأفكاري".

خرجتْ إلى الطبيعة وراحت تنظر حولَها، لتهتدي لشيء ما يُفجّر ما بداخلها من طاقة فنية، فالطبيعة لا تُخيّب عشاقها. رانا تتحدث للرمل قبل أن تجلس على الأرض وتعبث في الرّمال الباردة الرطبة برشّات المطر لتشكلهُ.

تروي: "سعادتي ليست عادية وأنا أنحت الوجوه والأشكال، فأنا في قمة السعاد حين أشكل بالرمل، أذكر أني عندما انتهيت من أول منحوتةٍ إنبهرت والدتي بها بل وحثتني على المواصلة".

لقد حدّدت رانا وُجهتها الفنيّة، رغم أنها لم تدرس الفن ولم تأخذ أي معلومةٍ من كتاب، وازداد الأمر صعوبةً حين بدأت تنحت الأفكار والمشاعر. تُعبّر:" تملّكني خوفٌ شديد على أخي الذي أصيب بساقه برصاصة متفجرة على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي على الحدود، وكادت ساقه أن تُبتر، لكنه نجا من البتر بأعجوبة، بكيت كثيرًا لمصابه وآلامِه، ورحت أبوح بمشاعري على الرّمال".

كانت تلك المنحوتة الرملية الأولى لرانا التي جسدت فيها قضيةً ومشاعر عظيمة، ثم نحتت تمثالًا لرجلٍ يحتضن طفلة. "إنه أبي المصاب بالشلل، وأنا تلك الطفلة في حضنهِ، حيث تمنيت أن أكون دومًا، لكنني لم أستطع لظرف والدي الصحي".

تطوّر الفنّ في حياة رانا فصار يشغل كل وقتها وتفكيرها، فسرعان ما تنتهي من نحت فكرةٍ لتوصل رسالتها للعالم حتى تهدمها وتأتي بفكرةٍ أخرى، فلا مفرّ من ذلك. توضح:" ساحة بيتي ليست واسعةً كفاية لنحت التماثيل والإبقاء عليها، فأصنع لوحةً رملية تأخذ كل جهدي ووقتي ثم أهدمها أو يهدمها ماء المطر". وتعلق:" تنهدم المنحوتة الرملية وتبقى الرسالة في العقول ولا تموت، وهذا ما أصبو إليه دومًا، أن أوصل رسائلي ورسائل شعبي في غزة المحاصرة وفلسطين بشكل عام للعالم".

ففي أحد أعمالها نحتت رانا صورة الشاب المصور الصحفي معاذ العمارنة وقد وضع يده على عينه التي فقأها الاحتلال برصاصةٍ أثناء تغطيته لفعالية ضد الاستيطان في قرية صوريف قضاء الخليل. تروي :"اجتاحت مشاعر الألم والظلم والقهر قلبي، وقلب كل من رأى المشهد، ورحت أجسد قصته على تلك الرمال، فهذا الصحفي لا يختلف عن أخي الذي أُصيب بساقِه". 

رانا لا تجسد صور وحكايات الألم فقط إنما صور التحدي والأمل، ففي التحدي جسدت صورة غزّة بامرأة ولّادة للمجاهدين، تجلس ومن حولها عشرات المواليد، جميعهم نحتتهم بالرمال الرطبة مستخدمةً يديها وعودًا رفيعًا لا غير. وفي الأمل، نحتت الفنانة تلك العائلة الممتدة وقد ارتسمت الابتسامةُ واضحةً على ملامحهم، رغم فقرهم ووضوح ملابسهم المهلهلة، لتوصل رسالةً أن الابتسامة هي الكنز وليس المال.

وكلما نحتت رانا منحوتةٍ جديدة تشوّقت لنحت أخرى، رغم ما تعانيه من آلام في الظهر والصدر والساقين بعد إنجاز كل منحوتة. وإن تميزت في هذا الفن وغيره إلا انها تتمنى أن تتلقى تدريبًا احترافيًا على أيدي خبراء وفنانين خارج البلاد وأن تشارك في معارض دولية لتنمية موهبتها أكثر وأكثر.

الكاتب من غزة

למאמר בעברית: משחקת החול

תגובות

משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ