الإيرلندي

مي عرو
מעבר לטוקבקיםכתוב תגובה
הדפיסו כתבה
الإيرلندي
الإيرلندي: فيلم يمجّد الذكورة ويهمّش القانون والنّساء، يدور في عالم موازٍ حيث لا رقيب ولا حسيب؟צילום: Victoria Will / AP
مي عرو

למאמר בעברית: האירי

وهل توصين بمشاهدة فيلم الإيرلندي؟ يسألني الكثيرون منذ أن نشرت صورة لي بالميني جيب في طريقي إلى السينما لمشاهدة الفيلم.

قليلة هي المرّات الّتي يتجاهل بها الآخرون سيقان امرأة جميلة ويسألون عن فيلم، لا بدّ أن للثّنائي روبرت دي نيرو وآل باتشينو علاقة بذلك. في سرّي أخلّد اللّحظة المباركة وأتريّث قليلاً قبل أن أجيب: فقط إذا كنتم قادرين على الجلوس في قاعة السينما لمدّة ثلاث ساعات ونصف والاستمتاع بمشاهدة فيلم عن حرب العصابات وعالم الإجرام المنظّم من الدرجة الأولى. فقط إذا دقّت قلوبكم بشوق عندما عرفتم بأنّ المخرج هو مارتن سكورسيزي وبأنّكم ستقضون الليلة بصحبة آل باتشينو، وجو بيشي، روبرت دي نيرو وهارفي كيتل، وأن لا مانع لديكم فعل ذلك أبداً.إذهبوا لمشاهدة الفيلم، فقط إذا كنتم تبتسمون سراً عند سماع جملة: سأقدّم له عرضاً لا يمكنه رفضه. ثمّ إستعدّوا لإضافة جملة أخرى إلى قاموسكم اللّغوي: سمعت بأنّك تطلي المنازل.

رجاءً لا تذهبوا لمشاهدة الفيلم في صالة السينما إذا لم ترغبوا بذلك بشدّة، لأنّ هذا الفيلم تحديداً سوف يأتيكم بنفسه إلى البيت، فهو من إنتاج شركة "نتفليكس" التي موّلته بما يزيد قليلاً عن ال 165 مليون دولار ليتمكن المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي من تحويل كتاب "سمعت بأنّك تطلي المنازل" للصحافي والكاتب تشارلز براندت إلى فيلم مدتّه ثلاث ساعات ونصف تدور أحداثه حول سيرة حياة فرانك شيران "دي نيرو", سائق شاحنة لنقل اللّحوم انخرط في أعمال المافيا ليتحوّل إلى قاتل مأجور ومجرم يلعب دوراً مهماً في تاريخ الإجرام المنظّم منذ الخمسينات وحتّى نهاية التسعينات مروراً بأحداث تاريخيّة مهمّة كانتخاب وصعود الرئيس الأمريكي جون كندي إلى الحكم ومن ثمّ حادثة اغتياله وعلاقة المافيا بذلك.

يشير عنوان الكتاب "سمعت بأنّك تطلي المنازل" إلى عمليّات القتل العنيفة عندما تصبغ الدّماء المكان كما الطّلاء. ويقوم سكورسيزي بقتل شخصيّات فيلمه الواحدة تلو الأخرى وسط قهقهات يتيمة تُفلت من المشاهدين المستمتعين من شباب وبالغين يتابعون بصبر وشغف فيلم يمجّد الذكورة ويهمّش القانون والنّساء، يدور في عالم موازٍ حيث لا رقيب ولا حسيب.

يستعمل سكورسيزي أسلوب سرد الأحداث على لسان فرانك شيران بأسلوب الفلاش باك مسترجعاً البدايات عندما تعطّلت شاحنته في إحدى محطّات الوقود ليتقدّم منه زعيم المافيا راسل بوفالينو "جو بيشي" ويمدّ له يد العون ليساعده في نفس اللّحظة ويتبناه فيما بعد كأبّ روحي. ليتحول بعدها من مجرّد سائق بسيط إلى صديق عائلة مقرّب وفي الوقت ذاته منفّذ عمليّات إغتيال وقاتل مأجور لا يرمش له جفن.

تتصاعد أحداث الفيلم عندما يتعرّف شيران على جيمي هوفا "أل باتشينو" رئيس نقابة سائقي الشّاحنات التي كانت معروفة آنذاك لكونها من النقابات القويّة وذات صلة وثيقة بالمافيا. تتوطّد العلاقة بين الاثنين لتتشعّب وتمتد من المصالح المشتركة وحتّى العلاقات العائليّة المقرّبة إلى أن يتورّط هوفا فيُدان ويسجن ويخرج بعد عدّة سنوات محاولاً بعجرفته المعهودة تقلّد منصبه السّابق واستعادة مجده. إلا أن الأمر يتعارض مع مصالح المافيا ويتسبّب بالكثير من التوتّر في العلاقات فينتهي الامر بشيران من وسيط بينهم إلى قاتل مأجور يؤمر بقتل صاحبه.

يخصّص المخرج الكثير من المساحات للصّمت والتأمّل فيعيد إلى الذاكرة فيلمه السّابق "صمت" والذي أشار من خلاله إلى صمت الرّب أزاء معاناة الانسان وبؤسه في هذه الحياة. وأمّا في الإيرلندي، يصوّر لنا سكورسيزي عالم الإجرام المنظّم بحرفيّة وإلمام الخبير في مثل هذا النّوع من الأفلام، معتمداً على تطوّر الشّخصيات وتشعّب علاقاتها التي تنتهي كلّها عند قدرها المحتوم. ويطرح بسلاسة صراع النّفس الإنسانيّة بين الواجب والأخلاق ومفهوم الشّر والخير مكثّفاً المشاعر معتمداً على أداء الممثّلين المتمرّسين وقدراتهم المثبتة.

كصورة البولارويد يولد هذا الفيلم ببطء أمام أعين المشاهدين المترقّبة، بوتيرة نجوم في خريف عمرهم وأوج شهرتهم. من قلب مدرسة السينما الكلاسيكيّة وعلى أصولها دون أن يحتاج أيّ منهم إلى إثبات مواهبه أو التّظاهر بمواكبة والاكتراث لوتيرة هذا العصر الحديث، عصر السّرعة والأحداث المتلاحقة المتعاقبة.

عند هذه النّقطة تحديداً علينا أن نتوقّف لنقيّم، لكننا في الواقع لا نقيّم الفيلم، بل نقيّم ذائقتنا السينمائيّة، وقدرتنا على استيعاب ما يقدّمه هذا المخرج العبقري الذي يمدّد فيلمه لينقل لنا الإحساس الحقيقي بثقل الوقت وفكرة الزّمن الذي يمضي سواء شئنا أم أبينا وأثر ذلك على الإنسان سواء كنت المشاهد، المخرج أم الممثّل.

الكاتبة مديرة مجال اللغات في مبادرات إبراهيم

למאמר בעברית: האירי

תגובות

משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ