فدائي

كنت محاربًا في صفوف الفدائيين بمعركة الكرامة، فهمت أنّه من غير الممكن القضاء على إسرائيل. لكن هذا الوجود لا يمكن أن يكون على حسابي وحساب وشعبي.

אברהם בורג
אברהם בורג
שתפו בפייסבוק
שתפו כתבה במיילשליחת הכתבה באימייל
שתפו כתבה במיילשליחת הכתבה באימייל
מעבר לטוקבקיםכתוב תגובה
הדפיסו כתבה
محمد المدني وأحفاده
אברהם בורג
אברהם בורג

למאמר בעברית: השלום שלו: בלי כיבוש, עם מדינה פלסטינית, קשרים על בסיס אישי

ولد محمد المدني في قرية كًفر سبت التي تدمّرت وهجرت في عام 1948، ترعرع عند سفوح جبل الطور. لكنّه وبعد حرب عام 1967 ترك إسرائيل وانضمّ لحركة فتح. رجل سلام فلسطينيّ، ولكونه كذلك مُنع مؤخرًا من دخول إسرائيل. يعتبر المدني صوتا مغايرا، مستقلا وصاحب رأي.

نعرف أنا وهو بعضنا منذ سنين طويلة، جمعتنا عشرات اللقاءات ومئات من ساعات الحوار. المدني فلسطينيّ فخور بهويته، ذكي جدًا، محنّك سياسيًا ولديه علاقات كثيره مع شخصيات في إسرائيل، وهو ناشط سياسي ليس فاسدا. وفوق كلّ هذا فهو إنسان لا يعرف اليأس. لقد أدرك ليبرمان ونتنياهو أنّ اليوم الذي سينتصر فيه محمد المدني سيكون هو اليوم الأول لنهاية الصراع وبداية السلام. وهذا، كما يبدو، أمرٌ خطير جدًا بالنسبة لكليهما.

التقينا الأسبوع الماضي، في ذات اليوم صرّح الرئيس عبّاس أنّ نتنياهو هو العائق الأكبر أمام السلام. وفي ذلك المساء، أطلق المستشار القضائيّ للحكومة تصريحات أخرى حول خطورة نتنياهو. لم تكن حياة المدني سهلة أبدا، ولم تعد التفاصيل الصغيرة تبهره كما ولم تعد تنال المصاعب الكبيرة من عزيمته. فهو فلسطينيّ من النوع الذي لا يعرفه الإسرائيليّون، النوع الذي يناضل من أجل الحريّة والسلام. ولد عند سفوح جبل الطور، في قرية لم تم محوها عن وجه البسيطه. لكنها باتت صورا على حائط بيته: الجبل، ومصاطب القرية المكسّرة وأمّه الصنديدة القوية. المدني طفل النكبة الحزين، المحارب الشجاع في صفوف حركة فتح، الصديق الحسّاس، المُضيف الكريم والمسؤول الفلسطينيّ عن العلاقة مع المجتمع الإسرائيليّ.

 ماذا تشعر عندما تسمع اسم "جبل الطور"؟

"لم تتوقف أمي عن رعاية أمل العودة فينا، الأمل كان العودة للقرية"

 بفخر وعظمة. أتذكّر أيّام طفولتي، أني كنت أصعد الجبل كي أطل على البعيد. الطور هو الأمل. في كلّ تلك المرّات التي صعدت فيها الجبل لأكون وحيدًا وأفكّر، لاحقني السؤال عن سبب اختلال الواقع. لماذا يحدث كلّ هذا لي؟ لنا؟. لم أملك الاجابة أبدا.

 ما هي أكثر لحظة حزينة في حياتك؟

طفولتي فقد فتحت عيني في عمر ثلاث سنوات، على أب على فراش الموت يحتضر. بعدها وفي عام 1948 قتل اليهود أخي. خرج أبي ليلًا للبحث عنه في الحقول المحيطة بقرية السجرة - جبل الطور. كان الليل شديد الحلكة، فأشعل أبي ولّاعة السجائر ليجد طريقه. وبينما كان يبحث في الحقل اصطدم بجثّة أخي، لمسها فتلطّخت يداه بالدمّ. عاد إلى البيت ولم يقل لأمي أنّه وجده، ولم يكشف هذا السر الفظيع سوى لعمي. قال  لأمي إنّ الولد ترك البلاد مع قوافل اللاجئين إلى سوريا. لم يُدفن أخي، بل رموه في بئر مع قتيل آخر. بعد  سنة واحدة فقط مات أبي كمدا وترك أمي وحيدة، ثكلى وأرملة. فقدت أمي بصرها جرّاء حزنها الرهيب على الخراب، على موته، وانتظارها لعودة أخي- الذي كان مصدر فخر لها حتى آخر يوم في حياتها . توفيت أمي في سنّ متأخرة سنة 2000.

 وكيف، رغم ذلك، عرفَتْ بالأمر؟

 خسرنا كلّ شيء بالحرب،  أصبحنا فقراء فجأة، فاضطرت أمي للعمل كي تعيلنا. كانت تذهب يوميًا إلى كفار تابور أو إلى مسحة، كي تبحث عن عمل. كان أحد المشغِّلين اليهود يختار يوميًا عددًا من العاملات من بين العديد من الباحثات عن لقمة العيش. في ذلك اليوم لم يختر أمي. حاول المقاول الذي أحضرها إقناعه قائلا له:  "إنّها أرملة، وأمّ ثكلى، معيلة وحيدة، ترعى أطفالها الصغار". سأل المشغِّل اليهودي أمي عن أخي، ثمّ قال لها في وجهها: "هذا الكلب أطلق النار علينا حتّى انتهت ذخيرته". وحين سألته ماذا فعلت بابني رفض أن يجيبها عن سؤالها، لكنّها فهمت.

هل ولدت هذه الطفولة فيك الكراهية؟

في تلك الأيام كنت أفكّر طوال الوقت بالانتقام فقط. جهّزت نفسي للمرحلة التي سأصبح فيها قادرًا على الانتقام والثأر لدم أخي. لكن لم تكن هذه مشكلتنا الوحيدة، حيث أننا عشنا فقرا مدقعا. ففي حين اشترك كل الأطفال في رحلات كنّا نبقى في البيت. كانت الطفولة عبارة عن معاناة يوميّة ترتبط فيها كل الآلام بعضها ببعض. 

"شكّلت حركة فتح وعيي السياسيّ. كانت هناك دومًا محاضرات ولقاءات سياسيّة. وكان هناك خطّ واضح: نحن ضد الصهيونيّة والاحتلال ولسنا ضد اليهود"

لم يعد المدني صغيرًا في السن، لقد جرب، رأى وعايش كلّ أنواع المشاعر الشخصيّة والوطنيّة. ومن الواضح أنّه كبت هذه القصص لسنين طويلة، حتى احتبست الدموع في حلقه. قام عن الكرسي، ذهب إلى الغرفة الأخرى، عاد بعد دقائق طويلة حاملًا في يديه كأس ماء.

وأكمل: التقيت بالمدرسة بتلاميذ يهود من المنطقة، جاؤوا لزيارة مدرستنا. في الصفّ الخامس انكشفت ولأول مرة في حياتي انكشفت على يهود آخرين. كان بينهم طفل اسمه داني تقاربنا وتصادقنا معًا. لاحقًا، ذهبنا لزيارة كيبوتس "عين دور"، استقبلونا جيدًا وكنت أنا من ألقى التحية باسمنا، لأنّ لغتي العبريّة كانت أفضل من الآخرين. وهذا ما ولّد بداخلي ارتباكًا كبيرًا: من جهة، هناك اليهود الذين قتلوا أخي البطل، ومن جهة أخرى هناك داني والأصدقاء الآخرين  الذين أعرفهم. مزقتني هذه المشاعر كليا، وسألت نفسي من هم هؤلاء اليهود؟، هل هم الأصدقاء أم القتلة؟

 وأمّك، هل كانت هي أيضًا "ممزّقة"؟

 كانت أمّي تملك قوى غير عادية. يعد أن ترمّلت أرادوا تزويجها مجددا، لكنّها رفضت ذلك بشدّة.  قالت  :" ما حدا بتحكم بولادي"، ناضلت وعانت في حياتها من أجلنا. عملت في الحقول، في الشمس والبرد ووفّرت النقود كي تعيلنا. علّمتنا  معنى الكرامة، أن لا ننكسر، لا ننحني ولا نسرق حتّى عند  الحاجة، وأن لا نخون قيمنا ومبادئنا.كانت هي  من علمنا أن لا ننسى هويّتنا وأصلنا.

 من أين أتيتم؟

من قرية كفر سبت، حيث ضُمّت أراضينا ليبنئيل. لم تتوقف أمي عن البكاء حين عملت أن أراضينا مُنحت لاحقًا للشركس في كفر كما و لليهود في إيلانيا. كانت أحيانًا تأخذنا معها لنشاهد أطلال البيت والقرية. ولم تتوقف عن رعاية أمل العودة فينا، العودة إلى القرية كانت الأمل.

ماذا فعلتَ بكل هذا المخزون من العواطف؟

كنت شابًا صغيرًا كثير القراءة، غمرتني الأسئلة المركبة والمعقدة، ما هي إسرائيل هذه؟ وما العلاقة بينها وبين هويّتي؟ الخ. كانت تلك أول أيّام الفدائيّين الذين تسلّلوا من الحدود السوريّة لاسرائيل. من جهة قلت في نفسي: إن قتل المواطنين الأبرياء ليس أمرا أخلاقيا بتاتا. لكن من جهة أخرى كانت التصرّفات الإسرائيليّة قاسية وخاطئة. بعد أسبوع من انتهاء الحكم العسكريّ عام 1966، زرت سوق العفولة، ذهبت إلى هناك مع أصدقاء، ولا يمكنني أنّ أمحو من ذاكرتي إلى يومنا هذا صورة امرأة يهودية حافية القدمين، تمسك بيديها حذاءً وتضرب به رجلًا عربيًا، فقط لأنه عربيّ. لقد أثّر به هذا المشهد كثيرًا، شعرت أني بالوسط مجددا: بين الفدائيّين الذين يقتلون واليهوديّة التي تهين. كنت منذ طفولتني صانع سلام، أكره السلاح، أكره الجيش، وأناهض الحروب أو الحياة العسكريّة، وضدّ العنف.

"التغيير الفلسطينيّ مكوّن من اتجاهين: اليأس والتفاؤل. التفاؤل تقوده القيادة، من عرفات إلى أبو مازن. في البداية كان هناك أمل بمحوكم، اليوم هناك أمل بالشراكة معكم"

 كيف يصل طفل عربيّ إسرائيليّ بهذا التمزق لقرار انضمام لحركة  لفتح في تلك الأيّام؟

 كنت قد وصلت العشرين من عمري بعد حرب 1967،  نظّمت يومها الهستدروت رحلات للمناطق المحتلّة. فسافرت معهم للقدس الشرقيّة، لبيت لحم، لنابلس وجنين. عندما وصلت رام الله دخلنا إلى حانوت ملابس دار حديث شيق بين المتواجدين، فسألت: لماذا برأيكم هُزمت الجيوش العربيّة؟ ولماذا انتصرت إسرائيل؟

فجأة أخذني أحدالمتواجدين بالمحل جانبًا وسألني": هل تريد أن تكون فدائيًا، محاربًا." ارتجفت وسرت قشعريرة في بدني من أخمص قدمي حتى رأسي. لاحظ الرجل أنّني ارتبكت، فلم يضغط علي. أخبرني أنه زبون دائم للمحلّ، أما انا فأكملت الرحلة مع زملائي مرتبكا. فكرت بعرض الرجل الغريب وتردّدت أسبوعًا كاملًا، لكن وفي النهاية حسمت أمري وقرّرت أنني أريد أن أحارب. لم يكن ثمّة أمل، فلا يمكن الفصل بين الشخصيّ والجماعيّ. طاردتني الصدمة العائليّة، الهزيمة القوميّة والشعور بالإهانة المستمرة من قبل اليهود ولم تبقِ لي أيّ خَيار آخر.

قلت لنفسي مرارًا وتكرارًا: صحيح أنّك ضد العنف ومتسامح لكنّ ظروف الحياة فرضت عليك واقعًا مختلفًا، يأسًا من دون أمل. اخرج وحارب اليأس!

وفتح؟

 شكّلتحركة فتح وعيي السياسيّ. كانت هناك دومًا محاضرات ولقاءات سياسيّة. وكان هناك خطّ واضح: نحن ضد الصهيونيّة والاحتلال ولسنا ضد اليهود. لقد ساعدني هذا التوجّه على فهم الواقع بشكل مختلف. وجدت في النضال  الأمل، واكتسبت أصدقاء. هناك، تحديدًا، اكتسبت أدوات للتغلّب على الكثير من المعضلات الداخليّة.

كيف يبدو شكل الصراع مع الدولة التي ولدت وتلك التي تسكن فيها عائلتك؟

القضية الوطنيّة تفوق بأهميّتها المسألة الشخصيّة والاعتبارات الخاصّة بي. لكن حتّى داخل المفهوم الوطنيّ كان هناك دومًا مكان للتفكير ب"الآخر". فمع مرور السنين، القراءة، والتعلّم، والأحاديث والأفكار وصلت إلى نتيجة مفادها أنّ كِلا الشعبين ضحيتين للاستعمار. كما تحاربنا إسرائيل، يحارب القادة العرب شعوبهم، بنظري كلّهم مقاولون يخدمون مصلحتهم الشخصيّة والاستعماريّة. أبحث دومًا عن السياقات الأوسع لصراعنا.

كان هذا هو التطوّر الدائم في رؤيتي، لذلك لم أكن أبدًا في التيار المركزيّ. أذكر ليلة صعود الليكود للحكم لأول مرّة، صُدم الجميع  لكنّي قلت أن هناك امكانية للتوصل لاتفاقية مع الليكود.

كنت في فلسطين، الأردن، بيروت، دمشق، تونس، والآن في رام الله. إلى أين تنتمي؟ أين حنينك؟

 اشتاق لدبورية فقط. عدت لفلسطين عام 1996 مع اتفاقيات أوسلو. توفي أخي حينها فذهبت للجنازة، لكن من دون حنين وشوق. ذات مرّة، عندما كنت صغيرًا، ذهبنا في رحلة إلى بحيرة طبريا، وكان عليّ أن أكتب موضوع إنشاء.كتب الجميع عن الطبيعة، الجمال والماء، أمّا أنا فكتبت عن المكان الذي سيشعرني بالسعادة.  لم يتغيّر الأمر منذ ذلك الحين، فأنا أشعر أني "بالبيت" فقط في المكان الذي استطيع فيه ا، اكون سيدا لرغباتي وارادتي. عندما طردنا من الأردن (أيلول الأسود)، اشتاق الفتحاويين للأردن، سوريا، لبنان وتونس الجميلة. أنا لم اشتق في أي مرّة لأي شيء، الأمكنة التي أحبها هي تلك التي تشعرني بالراحة.

كيف تحوّلت من محارب إلى رجل سلام؟

كنت أتحدّث عن السلام حتّى في سنوات السبعينات. صحيح أنني كنت محاربًا، وأننا حاربنا في معركة الكرامة وعلى كلّ الجبهات. قتل وقتل ثم قتل، طيب وماذا بعد؟. وكالكثير من رجال الجيش الإسرائيليّين الذين خلعوا البزّة العسكريّة واختاروا السلام، أنا أيضًا وصلت إلى نتيجة أنّه من غير الممكن القضاء على إسرائيل، فهي حقيقة ثابتة ودائمة. فهمت أن "للآخر" اليهوديّ الحقّ بالعيش الكريم مثلي، لكن هذا الحقّ لا يجب أن يكون على حسابي وحساب شعبي هناك متّسع للجميع في هذه البلاد.

كيف يبدو سلامك؟

إنهاء الاحتلال، دولة فلسطينيّةن وبناء العلاقات  على أسس شخصيّة بين القادة والشعوب من أجل النهوض بالمصالح المشتركة. كنت أود أن أسأل رئيس حكومة إسرائيل : هل لديك سياسة يمكنها ضمان بقاء ووجود إسرائيل لفترة زمنيّة طويلة في المنطقة؟

 لكن احتلاله انتصر، أليس كذلك؟

 لا، بتاتًا. فلنفكّر معًا أين حدث التغيير.

أولًا، التغيير الفلسطينيّ مكوّن من اتجاهين: اليأس والتفاؤل. التفاؤل تقوده القيادة، من عرفات إلى أبو مازن. في البداية كان هناك أمل بمحوكم من الوجود، لكن اليوم هناك أمل بالشراكة معكم. لكن هذا الأمل معرَّض للخطر في مرحلة ما بعد أبو مازن. إن لم نستغل الوقت لتدعيم أسس هذا الأمل، سينتصر اليأس، فاليأس يقود اليأس.

أمّا في الجانب الإسرائيليّ. فالإسرائيليّ ككلّ البشر، يحب الحياة بطبيعته. فحتى المحارب لا يرغب بالموت في ساحة القتال. تملك إسرائيل القوّة العسكريّة كي تصنع السلام، لكن على عكسنا، قيادتكم هي من تقوم ببث خطاب التخويف والإحباط، كي تحافظ لى مصالحها الاستعماريّة يحاربون مما يقتل كلّ أمل مشترك.

أنا أومن أن تغيير القيادة الإسرائيليّة سيعزّز الأمل، سينتج من جديد أسس شراكة بديله، سيقوّي أمل الفلسطينيّين. وعندها سيكون هناك أمل مشترك مع مهمة قابلة قد تتحقق وهي: العيش سويًا على الأرض ذاتها.

المدني رئيس لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيليّ

למאמר בעברית: השלום שלו: בלי כיבוש, עם מדינה פלסטינית, קשרים על בסיס אישי

תגובות

הזינו שם שיוצג באתר
משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ