كهنة من ثلج

عفيف شليوط
בתים לשימור בוואדי סאליב
عفيف شليوط

לטקסט בעברית: כוהנים משלג

وصلت الباخرة ميناء حيفا ، رست بهدوء أخضع أمواج البحر المتدفقة ، فسكنت بصمت قاتل . إتجهت أنظار المنتظرين على اليابسة نحو تلك الباخرة القادمة من البعيد ، من وراء البحار، حدّقوا في اللاشيء، طال انتظارهم ... جلسوا، تثاءبوا، وقفوا، ذهبوا، عادوا ، ناموا، إستيقظوا، ركضوا ، جاعوا، أكلوا، عطشوا، شربوا ... ولم يخرج شيء .


" نحن جياع " ، صرخ المنتظرون . نظر أحدهم نحو الآخر ، تفرّسوا في وجوه بعضهم البعض ، شعروا بالإعياء والملل، نظرات الإنتظار أصبحت بائسة يائسة، الإحباط يخيم على أرجاء المكان. لماذا كل هذا الوجوم؟ لماذا هذا الصمت؟ ومن ينتظرون يا ترى؟


تساؤلات تحوم حول هذا المكان القاتم، المنتظرون يتحركون ببلادة، يتحركون بلا هدف، يتحركون بلا معنى ، بلا حياة. شجرة وارفة الظلال، شامخة، تتراقص يميناً وشمالاً متناغمة مع نسمات الهواء التي تحاول أن تحرّك هذا الجمود، الأنظار بدأت تتجه نحو هذه الشجرة ، المنتظرون يحدقون بها ، بدأ البريق وللمرة الأولى يشع من عيونهم ، وكأن أمل الخلاص من هذا الركود تمركز كلّه في هذه الشجرة، لمجرد أنها تتحرك .


استيقظ سكان الحي في صباح اليوم التالي على صراخ امرأة ، تحول صراخها الى عويل يقطّع نياط القلوب. ركض الجميع نحو مصدر الصوت بين فزع وفرح ومحب للإستطلاع. نظر بعضهم الى البعض الآخر بفرح ، شيء ما يحدث هنا والآن ، في هذا المكان الموحش ، وأخيراً وقعت حادثة في هذا الحي ، سكانه لم يعرفوا ما معنى حادث ، مفاجأة، الدهشة ... لم يعرفوا في هذا الحي إلا الرتابة القاتلة.


ولما وصل أهل الحي الى المكان ، وجدوا الشجرة التي تحركت قد انبعث منها الدخان ، والنيران كانت تشتعل في أعماقها. تسّمر الناس قرب الشجرة ساهمين عاجزين عن الحركة ، لم يتحرك أحدهم لإطفاء الحريق ، رغم أن البحر لا يبعد إلا بضع خطوات عن الشجرة.
تحركت ام عاطف العرجة نحو الحشد ، تحركت ببطىء وهي تحدق في عيونهم البلهاء الشاخصة في منظر الشجرة وهي تحترق... لم تحتمل ، صرخت بأعلى صوتها :" ولكوا تحركوا ، اعملوا اشي ، الشجرة الإشي الوحيد اللي تحرّك " ... لكن صراخها لم يحرّك ساكناً .
لملم أهل الحي أذيال الهزيمة وعادوا الى أماكنهم ، وأخذوا يحدقون في الباخرة لعلّ وعسى يحدث شيء. ينظرون باستمرار ، لا يملون الإنتظار رغم كونهم لا يعلمون من ينتظرون ولماذا ينتظرون والى متى .

*****************


وأخيراً ، وبعد طول انتظار تم ارسال السلم من الباخرة. اتجهت الأنظار نحو سلم الباخرة ، انه يتحرك بإتجاه اليابسة . العيون تبحث عن شيء يتحرك .. عن شيء ما يخرج من هذه الباخرة . الأجسام تتحفز لحدث ما، ربما يغير مجرى الحياة في هذا الحي الراكد بلا حركة .
أجسام بلا حياة ، لكنها تحلم بأن تعود الحياة لتدّب فيها من جديد. ربما هذه الباخرة ستعيد الحياة الى سكان الحي ، ربما سيخرج المنقذ من الباخرة الآتية من البعيد ، من وراء البحار .


هنالك أصوات لوقع أقدام من داخل الباخرة ، توقفت الأنفاس لتسمع الآذان جيداً ، ولتراقب العيون ما يحدث. السلم بدأ يهتز لتظهر أول قدمين لشخص كان يخرج من داخل الباخرة، كان يرتدي معطفاً أسود، ويحمل حقيبة سفر. خرج في أعقابه شخص آخر كان يحمل هو الآخر حقيبة سفر، لكنه كان يرتدي ثوباً بني اللون ، تبعه آخر. فرح الناس ... لماذا ؟ لا أدري. صفّق البعض ، قرعت الأجراس فرحاً وتحية للكهنة القادمين من البعيد، من وراء البحار. احتفل الناس ، رقصوا، غنّوا، كانوا يقفزون الى أعلى لتلامس أقدامهم الأرض بقوة، مصدرة أصواتاً إيقاعية جميلة . انها فرحة النصر، وكأن كل مشاكلهم حلّت الآن، في هذه اللحظة، إنتهى الملل، الكآبة، الركود، الجمود، الصمت، كل شيء إنتهى وذهب الى غير رجعة.


انتهى الاحتفال وعاد الناس الى أوكارهم، ليجتمعوا صبيحة اليوم القادم في الكنيسة التي لم تفتح أبوابها منذ عقد من الزمن .

********************

وفي صبيحة اليوم التالي ، استعد سكان الحي للقداس الإحتفالي خير استعداد ، فبينما انشغلت النساء بالطهي وتحضير الحلويات ، انهمك الرجال بالتحضير لإحتفال استقبال هؤلاء الرهبان، جهزوا الطبول والزمور التي أخرجوها من المخازن ، تم ازالة الغبار عنها والتدرب عليها من جديد .


قرعت الأجراس ، معلنة عن قرب بدء القداس الإحتفالي ، كان الطقس بارداً والغيوم تسيطر على المكان . خرج الناس من بيوتهم فرحين يعجون بالحركة والنشاط ، وكان لعيونهم بريقاً خاصاً لم يعهده سكان الحي من قبل . عقدت حلقات الدبكة ، اصطف فريق من الشبان كانوا يرتدون اللباس الكشفي ويحملون الطبول والزمور. النساء والفتيات انشغلن في تحضير الولائم وزاوية الحلوى وتزيين الكنيسة بالورود والأقمشة ذات الألوان الزاهية والشموع .


ما أن دخل الرهبان ساحة الكنيسة حتى انطلقت الزغاريد وسمعت أصوات الطبول والزمور ، وكان الرجال يقفزون بقوة الى أعلى لترتطم أقدامهم بالأرض محدثة أصواتاً إيقاعية حادة. وما ان وصل الرهبان مدخل الكنيسة وإذ بإيدي النساء تفاجئهم بزخات من حبوب الأرز التي كانت تتطاير كزخات المطر على أجسادهم رمزاً للخير والعطاء وتعبيراً عن الفرح .


عازفة الأورغ تطلق معزوفة الترنيمة الأولى معلنة عن ابتداء القداس الإحتفالي ، الرهبان يدخلون من باب الكنيسة بإتجاه الهيكل ويلقون التحيات على جمهور المصلين ويباركونهم . صعد الرهبان الى الهيكل وبدأوا صلواتهم وسط تأثر سكان الحي الذين لم يسمعوا هذه الترانيم والصلوات منذ زمن طويل.


سامح شعر ببرد شديد خلال القداس رغم الحرارة التي حاول الرهبان إيصالها من خلال صلواتهم وعظاتهم. سامح أخذ ينظربإمعان الى الرهبان ، راقب حركاتهم ، سكناتهم ، فشعر أنه لا تعابير في وجوههم ولا مشاعر ، شعر أنهم كالرجال الآليين ، يقومون بواجباتهم خلال القداس على أتم وجه ، ولكن بلا مشاعر بلا أحاسيس ، أمر لم يعهده من قبل .


ما أن انتهى القداس الإحتفالي ، تجمع الناس قرب مدخل الكنيسة فرحين ومستعدين لإلقاء التحية على الرهبان القادمين من وراء البحارولتبادل الحديث معهم ولطرح مشاكلهم . ولكن المفاجأة كانت أن خرج الرهبان من مكان آخر ، ثم أطفأت الأنوار وأغلقت الأبواب والناس يقفون دون حراك ، لا يدرون ماذا يفعلون . وقفوا طويلاً بلا حراك ، بلا كلام ، ثم عادوا أدراجهم الى أوكارهم من جديد.


وفي الأسبوع التالي تكرر الأمر ذاته ، بذات الدقة والتفاصيل . تعددت الأسابيع والحدث ذاته يتكرر دون أي تغيير يذكر ، وكأننا بصدد مشاهدة ذات الفيلم في ذات الصالة ، إلا أن سامح كان في كل أسبوع يتقدم الى الأمام أكثر بإتجاه الهيكل الى أن أصبح في المقاعد الأولى مقابل الهيكل تماماً ، وفي ذلك اليوم ذهل سامح لما شاهده ، ولم يتمالك نفسه من الصراخ في داخل الكنيسة وخلال القداس :"إنهم من ثلج ، كهنتنا من ثلج". نظر اليه بقية المصلين بدهشة ، ثم بإزدراء ليتابعوا صلواتهم .


لم يصدقه أحد ، بل بدأوا يتعاملون معه كمجنون لا يؤخذ كلامه على محمل الجد . الى أن حل يوم قدم به المصلون الى الكنيسة كالمعتاد ، وشرع الكهنة الرهبان بتأدية الصلاة، وفجأة وبدون سابق إنذار شعر المصلون خلال القداس أن هنالك حرارة غير عادية أخذت تدفىء قلوبهم ، وانبعث نور قوي من السماء ، اقتحم نوافذ الكنيسة لتضاء بنور الشمس التي لم تظهر في بلادهم منذ زمن طويل . رغم دهشة جمهور المصلين مما جرى ، تابع الكهنة الرهبان صلواتهم كالمعتاد وكأن شيئاً لم يكن ، الى أن بدأ الكهنة يذوبون في داخل اثواب الرهبان البنية اللون ، ذابوا رويداً رويداً ، وبدأت الأثواب تتقلص الى أن سقطت على الأرض تماماً واختفت أجسام الكهنة تماماً .


حل صمت مخيف في المكان ، تسمر الناس في اماكنهم ، هنالك من قال أنها من علامات القيامة ، أتت الساعة . "ولكن القداس يجب أن يستمر" صرخ سامح بأعلى صوته ، هذه المرة لم ينظروا اليه كمجنون . نظر بعضهم الى بعض لا يدرون ماذا يفعلون ، الى أن تقدم نحو الهيكل ببطىء ، وبخطوات ثابتة وواثقة تقدم سليم ابن ام عاطف العرجة ، أمسك بثوب أحد الكهنة الرهبان ، أدخل جسمه به ،وقف المصلون دهشة وخوفاً ، أغمضوا عيونهم حتى لا يروا ما يجري وخوفاً مما سيجري . سليم اقترب الى الأمام ، وقف في مواجهة المصلين وتابع الصلاة بصوت مرتفع .

من المجموعة القصصية "الانهيار"

الكاتب أديب يكتب المسرحية والقصةالقصيرة، مواليد مدينة شفاعمرو عام 1962، يحمل لقبا أولا وثانيا في موضوع الأدب المقارن، يعمل في مجال المسرح ويشغل منذ العام 1996 منصب مدير عام مؤسسة "الأفق" للثقافة والفنون في حيفا

לטקסט בעברית: כוהנים משלג

للانضمام لمجموعة الساحة على الفيس بوك

تم النشر ضمن تعاون بين الساحة ومشروع مكتوب- أدب عربي بالعبرية (المشروع برعاية معهد فان لير بالشراكة مع مفعال هبايس).

תגובות