المتاهة

الياس خوري
שתפו כתבה במיילשתפו כתבה במייל
שתפו כתבה במיילשתפו כתבה במייל
מעבר לטוקבקים
غلاف كتاب أولاد الغيتو - إلياس خوري
الياس خوري

לטקסט בעברית: המבוך

مقدمة

بروفيسور يهودا شنهاف شهرباني

قبل بضعة أيام نشرت مقالة لآدم راز، باحث في معهد "عكيفوت"، يصف فيها الغيتوات التي زج فيها الفلسطينيين بعد احاطتهم بالأسلاك الشائكة في نهاية حرب ١٩٤٨. المقالة، على أهميتها ومعلوماتها القيمة، تستوجب ثلاثة تحفظات.

أولاً، قد تكون هذه الوقائع جديدة على الجمهور اليهودي (رغم أنه من واجبي هنا أن أشير إلى الدراسة الهامة التي أجراها بيني نوريئيل في هذا السياق، "اليهود العرب في غيتو اللد"، النظرية والنقد، ٢٠٠٥)، ولكن قراء العربية يعرفونها جيداً لا سيما الفلسطينيون الذين لا تفارقهم قصص الغيتوات والعنف الذي لحق بهم والتي ما زالت تنتقل من جيل إلى جيل.

 ثانياً، من الأهمية بأن نشير الى أن الاعتماد على الأرشيفات الصهيونية ينطوي على اشكالية بنيوية. فهذه الأرشيفات ليست مصدراً موضوعياً للماضي، ذلك لأنها تخدم اليهود بالأساس وتكشف (هذا إن كشفت عن شيء أصلاً) النزر القليل من الفظائع المدفونة في سراديب الأرشيفات أو التي لا ذكر لها على الاطلاق. للتغلب على هذه الاشكالية، لا بد من الاعتماد على مصادر أخرى ككتب المذكرات، الرسائل، الشهادات الشفهية والأدب طبعاً.

ثالثاً، من الغريب بأن يقوم هذا المقال الذي يرمي الى كشف الفظائع بمحو الفلسطينيين بجرة قلم وتعريفهم ك"عرب اسرائيل"، وهو المصطلح الذي اخترعوه في إسرائيل لمحو القومية الفلسطينية.  على نحو شبيه، نلاحظ كيف نقلت الكلمات من العربية بما يلائم الأذن اليهودية، وكيف تحولت وادي الصليب مثلاً الى وادي سليب. صحيفة "هآرتس"، على فكرة، مصممة حتى اليوم على استخدام "فلستينيون" (التي تذكر بكلمة: فلستيون) وليس "فلسطينيون" (פלשתינאים مقابل פלסטינים). ولو أنه من الواضح بأن كاتب المقال لم يتعمد ذلك ولكن أسلوب الكتابة هذا هو استشراقي من الدرجة الأولى.  

في ظل غياب الأرشيف عند المهزومين، كما ذكر سابقاً، نجد كيف يشكل الأدب مصدراً لا ينضب من المعرفة حول الماضي. الأدب الفلسطيني، على سبيل المثال، سبق التأريخ في ذكر المذبحة التي وقعت في قرية الطنطورة، حيث استعاد اميل حبيبي في رواية "المتشائل"، بلغة ضبابية والتفافية، ما لحق بأهالي الطنطورة الفلسطينيين. هذه التصويرة الأدبية المتراصة حاولت استعادة ما حاول الكثيرون اخفاءه ومحوه: "أسرار الدولة" حول ذلك "المساء الخريفي". بهذا، نبش حبيبي تحت أسس الخطاب السياسي في إسرائيل ولفت أنظارنا إلى عملية التشفير المفروضة على أحداث المذبحة في الحاضر.  

 على نفس الغرار، لكي نعرف أكثر عن الحياة في غيتو اللد الذي تحدث عنه آدام راز، بإمكاننا العودة الى رواية "أولاد الغيتو" لالياس خوري، أهم الأدباء العرب بالوقت الراهن، التي نشرت بالعبرية قبل عامين. صحيح بأن الحديث عن عمل أدبي خيالي ولكنه يعتمد على مصادر كثيرة وعلى بحث استمر لسنوات. في هذا الفصل الذي أمامكم ("المتاهة")، يشرح خوري لماذا سمي الغيتو بهذا الاسم، حيث يكتب: "لا تعرف منال معنى كلمة غيتو، أو من أين أتت، كلّ ما تعرفه أنّ سكّان اللدّ سمعوا الكلمة من الجنود الإسرائيليّين..". وبالفعل، الكثير من الجنود اليهود استخدموا في ١٩٤٨ المصطلحات الاوروبية لوصف النجاه الفلسطينيين الذين تم اقتيادهم الى خارج الوطن. يرحميئيل كهنوفيتش الذي أطلق قذيفة "بيات" الى داخل مسجد دهمش في اللد وتسبب بأحدى أفظع المذابح عام ١٩٤٨، قال بأن الفلسطينيين كانوا: "كما يظهر دائماً في الأفلام هؤلاء الذين يذهبون. عرب يذهبون إلى مكة، قافلة، مع بقج. كما يظهر لاجئونا وهم يخرجون من ألمانيا. بقجة او حقيبة او شيء كهذا".

اليكم ما حدثنا به آدم (ليس آدم راز بل آدم دنون- بطل الرواية) من مصدر أول عما جرى في غيتو اللد.

وبعد ثلاثة أيّام اكتشف أهل الغيتو أنّ عليهم الاعتياد على نمط جديد وغريب من الحياة. بدأت الأمور تتّخذ شكلاً أليفًا، والضياع يتلاشى أمام حقائق الحاضر. استفاق الناس من الصدمة، ليجدوا أنفسهم وقد تحوَّلوا إلى سكّان هذا الغيتو. الأسلاك الشائكة التي تحيط بالمكان صارت جزءًا من المشهد الذي بدأ الناس يتعرَّفون من خلاله على حدود مدينتهم الجديدة، التي صارت كناية عن مستطيل صغير مسيّج له بوّابة واحدة يحرسها ثلاثة جنود. وصار مشهد الأطفال، وهم يستحمُّون تحت أيدي أمّهاتهم أمام بركة الوضوء في الجامع الكبير، فسحة اللعب الوحيدة التي يفرقع فيها الضحك ممزوجًا بصراخ الأمّهات.

لا تعرف منال معنى كلمة غيتو، أو من أين أتت، كلّ ما تعرفه أنّ سكّان اللدّ سمعوا الكلمة من الجنود الإسرائيليّين، فاعتقدوا أنّ كلمة غيتو تعني حيّ الفلسطينيّين، أو حيّ العرب، مثلما قرَّر الإسرائيليُّون تسمية سكّان البلاد الأصليين. وحده مأمون كان يعرف. روى أنَّه شرح الأمر لإيليّا بطشون، لكنّ الرجل ضحك منه معتقدًا أنّ مأمون يتفاصح عليه. «الغيتو هو اسم أحياء اليهود في أوروبا»، قال مأمون، «هؤلاء الحمقى لا يعرفون أنَّه لا توجد في بلادنا غيتوات، وأنّنا نطلق على أحياء اليهود اسم حارة اليهود، كغيرها من حارات المدن، وأنّه هيك بمشيش الحال».

«يعني إحنا صرنا يهود»؟ قالت منال بسذاجة، «مستحيل، أعوذ بالله إحنا مسلمين». «ومسيحيين» أضاف إيليّا. «اسمعوا يا جماعة، هذول الناس بعرفوش إشي، فاكرين حالهم بأوروبا، وجايين وجايبين معاهم الغيتو حتى يحطّونا فيه»، قال مأمون.

وعلى الرّغم من قناعة الجميع بأنّ مأمون كان يعرف، لأنَّه نال المتريكوليشن من الكلِّيّة العامريّة في يافا، فإنّ الاقتناع العامّ لدى أهل المدينة المسيّجة بالأسلاك كان أنّ الغيتو يعني «حيّ العرب»، وأنَّهم صاروا اليوم، بعد تهجير أغلبيّة سكّان المدينة، مجرَّد أقلِّيّة صغيرة تعيش في غيتو مقفل، قرَّر الإسرائيليُّون أنَّه سيكون القفص الذي على الفلسطينيين التعوّد على الحياة فيه.

والحقيقة، أنّني بعدما غادرت بيت أمِّي في حيفا وذهبت للإقامة في وادي النسناس، اكتشفت أنّ ما جرى في اللدّ تمّ تعميمه على جميع المدن الفلسطينيّة، فأقام من بَقي من سكّان الرملة ويافا وحيفا وعكا في غيتوات مغلقة فترة سنة كاملة، قبل أن يقرِّر الجيش الإسرائيليُّ إزالة الأسلاك. لكن هذه السنة المسيَّجة بالخوف انحفرت عميقًا في الوعي الفلسطينيِّ، بحيث صار الغيتو علامة شعب كامل. وإذا كانت المدن قد تغوّتت بواسطة إقفال أحياء العرب التي حُشر الجميع فيها، فإنّ القرى في الجليل والمثلَّث تحوّلت إلى أماكن مقفلة بالحكم العسكريِّ، الذي لم يُرفع إلَّا بعد ثمانية عشر عامًا من تأسيس الدولة، وكان هدفه إضافة إلى الإذلال والإفقار، شلّ حركة الناس ومنعهم من التنقُّل بحثًا عن عمل إلّا بعد الحصول على إذن من الحاكم العسكريِّ، وبذا يستسلمون لمصيرهم الجديد ويقفون عاجزين عن مقاومة مصادرة أراضيهم التي لم تتوقَّف.

وعندما عاتبتني دالية، في الهزيع الأخير من علاقتنا، لأنّني كذبت عليها وعلى الجميع عندما نسبت نفسي إلى الغيتو، وأصرّت أن تتعرَّف على حقيقتي، شرحت لها أنّني لم أكذب على أحد، وأنّني فعلاً ابن الغيتو، وأنّ ادّعاءاتي عن أصولي البولونيّة وعن وارسو، لم تكن سوى استعارة ملائمة لوصف طفولتي في اللدّ وشبابي في حيفا وحياتي في يافا.

تشكّل غيتو اللدّ على أرض صغيرة مسيَّجة بالأسلاك الشائكة، بحيث بدت مثل قفص لا سقف له. أُقيم الغيتو في المساحة الممتدَّة من الجامع الكبير إلى كنيسة مار جريس إلى المستشفى وكان تعداد سكّانه 503، أقام 200 شخص في الجامع و100 شخص في الكنيسة و150 في المستشفى هم الجرحى والأطبّاء والممرِّضون والممرِّضات، بينما أقام حوالى 50 شخصًا في البيوت القليلة المجاورة للكنيسة. منال كانت محظوظة، لأنّ مأمون كان أوَّل من بادر وطلب من منال اللِّحاق به من أجل الإقامة في بيت الكيّالي، الذي سيتحوّل إلى بيتها لمدّة سبع سنوات، أمّا بقيّة البيوت، فقد أقام فيها الناس بشكل عشوائيٍّ، ولم تنفع قرارات اللجنة في ضرورة إعادة توزيع البيوت على السكّان بحسب الحاجات وعدد أفراد العائلة. فكرة هذا التوزيع لم تكن عمليّة، لأنّ الغيتو لم يتألّف من عائلات كاملة، بل من أفراد ساقهم الحظّ إلى البقاء في أحد أماكن التجمُّع الثلاثة.. وبقوا فيها، لأنّ الإسرائيليّين بعد نهاية المجزرة لم يدروا ماذا يفعلون بهذا العدد من الناس، فقرَّر الحاكم العسكريُّ تسييج المكان في انتظار ما سيأتي.

الطعام توافر من مؤونة البيوت التي أقام فيها الناس. لكنَّه سرعان ما بدأ ينفد، أمّا الماء فكان مصدره الوحيد بركة الوضوء. لكنّ الناس كانوا عاجزين عن اكتناه جغرافيا المكان. كثيرون رفضوا الإقامة في البيوت التي هجرها سكّانها، وفضّلوا البقاء في المستشفى والكنيسة والجامع. قيل إنّ الناس اعتقدوا أنَّ الإقامة في هذه البيوت سوف تعني خسارتهم لبيوتهم الأصليّة، وصرخ نجيب نافع أنَّه يرفض هذا الخيار، لأنّ لهذه البيوت أصحابها الذين سيرجعون إليها. ورغم إلحاح رئيس اللجنة الحاج إيليّا بطشون بأنّ الإقامة موقّتة ولن تتجاوز أسابيع قليلة، كما أكّد له الحاكم العسكريُّ، وبعدها سيعود كلّ واحد إلى بيته، لكنَّ نجيب نافع لم يقتنع، وقرَّر البقاء في الجامع، ومثله كثيرون. فانقسم سكّان الغيتو إلى فئتين: الفئة الأولى، وكانت أمِّي من ضمنها، قرَّرت الإقامة في البيوت المهجورة، وفئة ثانية أقامت في الجامع الكبير والكنيسة والمستشفى، حيث قامت العائلات برسم الحدود فيما بينها بواسطة حرامات صوفيّة جُلبت من المنازل المهجورة. لكن مع بداية فصل الشتاء، بدأ السكّان يشعرون بضيق المكان واستحالة الإقامة بهذا الشكل؛ وكان هذا أحد أسباب الخلافات داخل الغيتو، والتي لم تحلّ إلّا بعد سنة كاملة، عندما تقرَّر رفع الحكم العسكريِّ عن المدينة وإزالة الأسلاك الشائكة.

ما أعرفه هو أنّنا بقينا في البيت الذي وجده مأمون لنا، فمنال تمتّعت بامتياز كونها زوجة شهيد سقط دفاعًا عن المدينة، فلم يجرؤ أحد من أعضاء اللجنة على إجبارها على استقبال عائلة ثانية في منزلها. ويُقال، والله أعلم، إنّ خالد حسُّونة وضع عينه على أمِّي، وقرَّر أن يتزوَّجها بعد أسبوع من زواج إيليّا بطشون، لذا فقد رفض بشدّة المسّ بالبيت الذي أقامت فيه منال، وأقنع بقيّة أعضاء اللجنة برأيه، زاعمًا أنّ هذا يُعدّ تكريمًا للشهيد حسن دنّون الذي سقط إلى جانب البطل أبو علي سلامة.

الشيء الوحيد المؤكَّد هو أنَّ خالد حسُّونة كان يكرهني، وهذا ما لمسته طوال السنوات السبع التي أقمتها في المدينة، وأنَّه كان يعيّرني بمأمون الذي أسماه صبيّ الستّ. بالطبع، لم أفهم يومها معنى كلامه، لكنّني كنت أتجنّب الرجل وأحاذر الالتقاء به، ولم أسمع بحكاية محاولته الزواج من أمِّي إلّا في كوخنا في حيفا، حين سمعت منال تبكي بعد تعرُّضها للضرب من جانب زوجها، وترثي حظّها العاثر، لأنَّها رفضت أن تتزوّج رجلاً محترمًا طلب يدها كي يسترها وتكون زوجته الثانية، لينتهي بها الأمر إلى البؤس الذي عاشته مع زوجها عبد الله.

استفاق سكّان الغيتو على حقيقة أنّ عليهم تدبير أمور معيشتهم بأنفسهم، فلقد أبلغهم الحاكم العسكريُّ أنَّ الدولة ليست مسؤولة عنهم، وأنّ عليهم تأمين الطعام والماء والطبابة بأنفسهم، وأنَّه ليس مستعدًّا لسماع أيّ شكوى بهذا الخصوص.

هنا حدثت المعجزة الأولى في الغيتو، فقد قرَّر الناس البحث عن المؤونة في البيوت، ونهبها. طلب رئيس اللجنة من الكابتن موشيه السماح للسكّان بالخروج إلى المدينة القديمة من أجل جلب المؤونة، لأنَّه كان يعرف أنّ الناس تموَّنوا استعدادًا للحرب. تردَّد الضابط وقال إنَّه لا يستطيع، فالأوامر لديه تقول إنّ الجيش ليس مسؤولاً عن إطعام السكّان.

«لا أستطيع»، قال موشيه.

«إيش يعني لا تستطيع»، أجابه إيليّا، «الناس جوعانة ورح توكل بعضها، وأنا بقدرش أضبط الوضع».

«طيِّب طيِّب خلّيها لبكرا»، قال موشيه.

وفي صباح اليوم التالي، سمع إيليّا بطشون الجواب نفسه، فارتفع صوته، وبدا كأنَّه نسي أنَّه سجين، وعادت إليه فجأة نخوته، فبدأ يهدِّد. وما إن سمع الناس صوت رئيس اللجنة ورأوا يده ترتفع بالتهديد، حتى تجمَّعوا أمام بوَّابة الغيتو وبدأت أصواتهم تعلو. تراجع موشيه إلى الوراء وأطلق النار من مسدّسه في الهواء، وقال إنَّه سيسمح لأربعة شبّان بالخروج للبحث عن المؤونة، في بيوت البلدة القديمة فقط، شرط أن يضعوا إشارة الصليب الأحمر، وقال إنَّه ليس مسؤولاً عن سلامتهم.

كان مأمون أوَّل المتطوِّعين، فنهره خالد حسُّونة، «إنت أعمى يا ولد، إرجع للخلف». «أنا مش ولد، بصرش تحكي معاي هيك»، أجاب مأمون بصوت مرتفع؛ «ثم أنا لست أعمى أنا كفيف البصر، وسأذهب»، أكمل مأمون بالفصحى.

تدخّل إيليّا بطشون وطيّب خاطر مأمون، وطلب من غسّان بطحيش أن يقود مجموعة، تألَّفت من أربعة ممرِّضين خرجت بحمّالة للجرحى من أجل أن تملأها بالموادّ الغذائيّة.

الإنجاز الأوَّل للفريق، كان بالإضافة إلى اكتشافه كمِّيّات كبيرة من المؤن المخزّنة، هو عثوره على ثمانية من الرجال والنساء المسنِّين الذين اختبأوا في بيوتهم خلال اجتياح المدينة، وبقوا فيها يعانون الرعب والوحدة. وحين عاد الفريق إلى الغيتو اصطحب معه هؤلاء، فبدوا كمجموعة من الأطفال الضائعين العاجزين عن الكلام.

وصلت المؤن وجرى توزيعها بشكل عشوائيٍّ، فأخذ الناس ما يشاؤون، لكنّ الأمور ما كان لها أن تستمرّ على هذا المنوال. تألَّفت المؤن من العدس والبرغل والحمّص والزيت والطحين والسكَّر والشاي والصابون، فتقرَّر أن يتمّ وضعها في مخزن، واختيرت الغرفة الملاصقة للكنيسة، التي كانت في الأساس منزلاً للشمَّاس نقولا الذي رحل مع الراحلين، وتمّ تعيين إبراهيم حمزة أمينًا للمخزن، ومسؤولاً عن توزيعها بشكل عادل على الجميع. ولم يكن تطبيق القرار سهلاً في البداية، فالخوف من الجوع دفع الناس إلى تخزين الموادّ في البيوت أو تخبئتها تحت حرامات قرب الفراش الموضوعة على الأرض، لكنّ وفرة الموادّ، وخصوصًا الحمّص والزيت والطحين والبرغل، أقنعت الجميع بلا جدوى التخزين الفرديّ.

قام إبراهيم حمزة بتشكيل ثلاث لجان من السيِّدات، الأولى برئاسة فاطمة زوجة الفرَّان جميل سلامة، وكانت مهمّتها إعداد الخبز، ولجنتان للطبخ، الأولى مقرّها المستشفى، وكانت تشرف عليها سميرة زوجة الخوري توما نعمة، ومهمّتها إعداد الطعام للمقيمين في المستشفى وفي الكنيسة، والثانية مقرّها الجامع وكانت تحت إشراف خديجة زوجة خالد حسُّونة، وهي مسؤولة عن إعداد الطعام للمقيمين في الجامع والبيوت. وبذا، بدا الغيتو يتّخذ شكل العمل التعاونيّ، ما دفع شوماريا غوتمان، الحاكم العسكريّ للمدينة، إلى التصريح لإحدى الصحف الإسرائيليّة، بأنّ أهل اللدّ العرب، يكتشفون اليوم محاسن الحياة الجماعيّة في دولة إسرائيل.

غير أنّ مناخات التضامن الجماعيّ ولململة الجراح سرعان ما خبت، والحياة الجماعيّة بدأت تتحلّل أمام صعوبات العيش، واستحالة العمل والتنقُّل، بحيث صار الغيتو أشبه بقاووش في سجن في الهواء الطلق، يعيش فيه الناس البطالة والخوف.

לטקסט בעברית: המבוך

للانضمام لمجموعة الساحة على الفيس بوك

تم النشر ضمن تعاون بين الساحة ومشروع مكتوب- أدب عربي بالعبرية (المشروع برعاية معهد فان لير بالشراكة مع مفعال هبايس).

תגובות

הזינו שם שיוצג באתר
משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ