إزدهار الكرز

מאי ערו
מאי ערו
שתפו כתבה במיילשתפו כתבה במייל
שתפו כתבה במיילשתפו כתבה במייל
מעבר לטוקבקים
أفلام: هل حقاً علينا السفر بعيداً لنكون أقرب من أنفسنا؟ צילום: אי־פי

למאמר בעברית: פריחת הדובדבן

"أشتاق لأمّي جداً" قال الشّاب، وبكى بحرقة لأوّل مرّة مند ماتت أمّه في بداية الفيلم.

"ليس لديهم ذباب" قال الأب بشرود.

"ماذا؟" لم يفهم الإبن العلاقة.

"ذباب، لا يوجد ذباب في اليابان" أجاب الأب.

قد تبدو هذه المحادثة غير مهمّة على الإطلاق، إلا أنّها بنظري لفته عبقريّة تقول كلّ شيء.

فعند محاولتي تقصي موضوع الفيلم "إزدهار الكرز"، أتذكّرها على وجه الخصوص.

يدور هذا الفيلم حول تفكّك العلاقات الأسريّة في العصر الحديث، ويسلّط الضّوء على غياب الحميميّة في العلاقات. كما ويعبر عن عجزنا عنّ التّعبيرعن كلّ الأشياء الّتي نريد قولها ونودّ فعلها. يدور هذا الفيلم حول الحياة الحقيقيّة، ويعبّر عنها من خلال الموت.

سارعوا لمشاهدة هذا الفيلم قبل فوات الأوان. ليس لأنّه سيختفي عن شاشات العرض قريباً، فهو فيلم قديم نسبيّاً ولا يُعرض في السينما الآن، بل لأنّكم قد تموتون بأي لحظة، ولأنّ هذه الأفلام المميّزة قد تكون صفعة توقظكم وتجعلكم تأخذون أحلامكم على محمل الجّد وتبدأون بتحقيقها.

صرّحت المخرجة والمنتجة الألمانيّة دوريس دوري بأنّ فيلمها تأثّر جداً بفيلم "قصّة طوكيو" للمخرج الياباني أوزو، والذي يعدّ واحداً من أهمّ أفلام العالم على الإطلاق. يقوم الزّوج والزّوجة في كلا الفيلمين بالسّفر لزيارة وقضاء وقت مع الأولاد والأحفاد، إلّا أنّ مشقّة الحياة الحديثة والعمل تحول دون حدوث ذلك، فيجد الوالدان نفسيهما قريبان جسدياً ولكن بعيدان كلّ البعد في الوقت ذاته. 

يروي فيلم "إزدهار الكرز" قصّة رودي وترودي، زوج وزوجة ألمانيين، تكتشف المرأة بأنّ زوجها مصاب بمرض عضال وأنّ لا أمل في شفاءه، فتخفي عنه الأمر وتحاول إقناعه بضرورة الخروج في إجازة وقضاء وقت مع العائلة.

"تعال نزور ابننا في اليابان، أتمنّى زيارة طوكيو"، تحاول ترودي اقناع زوجها بلطف وفي عيناها شوق لابنها ولمعة تبرق نحو بلاد يعني اسمها "منبع الشّمس".

لكنّ رودي لا يرغب ولا يهتمّ بفعل ذلك. فيسافران إلى برلين بدلا عن طوكيو، حيث تعيش هناك ابنتهما الشّابّة المثليّة مع صديقتها وابنهما وزوجته والأولاد.

تبرز المشاهد مدى انشغال الشّباب بأنفسهم وبحياتهم الخاصّة، وعدم فهمهم سرّ الزيّارة المفاجئة، التي لا يحبّونها ولا يخفون امتعاضهم تجاهها. كما وينكشف المشاهد الشّرق أوسطي على مضامين قد تكون قاسية، وربّما هز رأسه بسخرية وقلق وحمد اللّه بأنّه وبرغم كلّ شيء، مقارنة بهذين التّعيسين قد أحسن تربية أولاده.

يبلغ الفيلم ذروته عندما تموت ترودي فجأة، تموت وتُبقي خلفها عباءة الكيمونو البيتيّة المزيّنة بالأزهار الّتي ترمز لكلّ الأشياء المؤجلة الّتي كانت تحبّها بصمت.

عندها فقط يستيقظ رودي من سباته، أي باللحظة التي فقد فيها المرأة التي احتوته كما احتوى اسمها حروف اسمه. مدركاً بأنّ طبعه الأناني الفظّ  كان سبب حرمانها من أهمّ وأبسط أحلامها، عشقها لليابان وارتباطها الرّوحي بثقافتها وحضارتها. 

بحزم وعزم يقوم رودي بسحب كل أمواله من البنك وحزم حقائبه ثمّ السّفر في رحلة لاكتشاف ذاته في اليابان. هناك يلتقي بنفسه عارياً وحيداً في مهبّ ريح الغربة، حيث لا يملك حتّى القدرة على التّواصل الحقيقي البسيط مع ابنه ومع كلّ ما يراه ويشعر به.

فقط عندما يتحرك من مكانه المريح ويجرؤ على مواجهة مخاوفه وموت زوجته، يجد رودي نفسه قريباً منها. يتعلم رودي ومن خلال الرّقص التّعبيري وبمساعدة فتاة يابانيّة غريبة تصغره بسنوات كثيرة، خطواته الأولى في عالم رقص البوتو ويتمكّن من التّواصل مع زوجته الميّتة روحانيّاً.

يأخذك هذا الفيلم إلى أعماق النّفس البشريّة دون استئذان، يقدّم لك حفنات من السّاكورا "أزهار الكرز" الّتي تمثّل الجمال والشّباب والحياة الزّائلة. ثمّ يرميك في بلاد يحتفي شعبها بازدهار الكرز "نامي" كلّ سنة، علماً بأنّ هذه الأزهار البيضاء الرّقيقة تسر الناظرين لمدّه عشرة ايّام فقط ثمّ تموت وتفرش الأرض بجماليّة. اليابان بلاد يحتفي شعبها بالموت مع الحياة.

أشاهد هذا الفيلم للمرّة الثّالثة على التوالي وأتساءل: هل حقا علينا السفر بعيداً لنكون أقرب من أنفسنا؟ ما هي الأشياء المهمّة في الحياة؟ إذا لم يكن الآن، فمتى يحين موعد تحقيق أحلامنا؟

 يضعني هذا العمل الفنّي كلّ مرّة من جديد أمام مرآة ذاتية، ويجبرني على مواجهة نفسي وفحص تصرّفاتي في الحياة. يضعني تحديدا أمام سؤالين، ما الذي أريده؟ وما الذي عليّ فعله؟ ينبّهني بقسوة لطبعي المرضي الذي يدفعني لتأجيل أحلامي ورغباتي الحقيقيّة والسّعي لإرضاء الآخرين على حسابي. يذكّرني بأنّ العمر يمضي وبأنّي لا أملك الوقت الكافي.

لهذا أوصي بشدة بمشاهدة هذا الفيلم الذي ينفض الغبار عن الكثير من المشاعر والأفكار، يزعزع  المشاهدين أنفسهم، كما ينبغي أن يفعل أي فيلم جيد.

الكاتبة مديرة مجال اللغات في مبادرات إبراهيم

למאמר בעברית: פריחת הדובדבן

للانضمام لمجموعة الساحة على الفيس بوك

הזינו שם שיוצג באתר
משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ