سمير نقاش

לטקסט בעברית: שלמה הכורדי, אני והזמן

مقتطفات من رواية "شلومو الكردي وأنا والزمن" للكاتب اليهودي العراقي سمير نقاش. نقاش الذي هاجر في صباه الى إسرائيل وقرر ألا يكتب إلا باللغة العربية، يعتبر أهم روائي يهودي يكتب بالعربية في القرن العشرين. هذة الرواية التي صدرت حديثاً عن سلسلة مكتوب هي روايته الأولى التي تترجم للغة العبرية.

ثياب مقطعة وحقيرة وخرج حمار يضم غيارا وبعض طعام وصرتي. لم أتنكر إلى أفاق، فزمني قد صيّرني افاقا بالفعل. ولست ببخيل. في الماضي كان بيتي في صبلاخ يستضيف القريب والبعيد، أنفقت بل أفنيت ثروتي في إغاثة إخواني وأهل بلدتي إبان سنوات الحرب. الآن، ما عدت أملك غير صرتي هذه، من «الغوائط»، وبتضحية أسمر، وبالأعجوبة، جمعتها. عرق جبيني تفجره ذلتي وتجففه عنه كرامتي. إنها إذن روحي مادمت لا أطيق العيش إلا كريما، من هنا سأبدأ بجمع أشلاء كبرياني المهشمة. منها سأبدأ بلحم الكسور والصدوع. إني اعقد على صرتي بألف عقدة، أفاقا مشعث المظهر أمضي. كلا لن ادلل نفسي فأتربع مثل ملك على حساب صرتي هذه. فحتى الدرجة الثانية لا تليق بمظهري. إني أرتمي هناك على «الديك»، على سطح المركب، مع الفقراء وشذاذ الآفاق، ومن باع ما تحته وما فوقه ليأتي للعراق حاجا إلى النجف وكربلاء وضريح الشيخ الكيلاني في بغداد، هنود يرطنون، وبلوج رعاة وأعاريب ورطوبة وعطن وفئران وصراصير وأنا تاجر مدسوس في جحر كبير وراءه ذکری لتاجر.... وأمامه مشروع لتاجر وأفكاري التي لا تعرف الصمت تساوم وتقايظ. وهنا قد بدأت الغربة فهل صدقت أسمر الصدوق؟ هنا، أسمعني وحدي في زاوية قذرة عفنة ظلماء. في أعلاي مستودع أو مربض ذكريات مخزونة بكميات تضاهي هذا البحر الساعون نحن إليه. شط العرب ومصبه، ثم ها نحن في الخليج وإثر ضربة خفيفة بعصاي السحرية تتفجر العين بقوة إلى أعلى. نتف ذكريات وأحداث غير منظمة، إلا ما يناسب حالي هذا ويلتصق هنا وهناك. غارق في الوحشة، الزنزانة في طهران ما قبل الحرب الملعونة يوم القاني بها الشاه القجاري، وأنا مهترئ الظهر ومعي صرتي وإغمائي وعظامي المهشمة، وتبريح الألم بعد رجوع وعيي. وتجن المواجع مع كل حركة.. رماني بها وسافر ثم نساني. وهناك الصمت وهنا الصخب. وأنا أنطق العربية بصعوبة. وعلي أن أقوقيء أحيانا لأقول كلمة ذات مغزی، من هذا الكلام المبربق من حولي كتفقؤ، فقاعات قلية السمن الحر على النار. كلام غليظ حام كأنه متبل بالكاري والبهارات. بهارات! أتراني فيك سأعود وأعثر على كرامتي الضائعة؟! بهارات! والغربة من هنا بدأت. فهل صدقت أسمر أم البنين؟!

هنا، مع هؤلاء الهنود إنقطع لساني، ولكن حتى متى ؟! قالوا إن الدرب إلى بومباي، لو حالفنا الحظ أسبوعان أفسأصوم أسبوعين عن الكلام؟ أنت لها يا أبا سلمان أنت لها؟

أجل! هناك، في الفيافي والقفار، وعلى رؤوس الجبال في ليالي المحنة الطويلة وأيامها وحدك حين نضب الكلام في قيظ جنون الانسان، وتراكم الجليد فكسا الدروب وجمد الألسن، مكثت الأخطار تعربد.. كان الصوم يشمل كل الأشياء. ولكن ... ماذا؟ فهل عرف إنسان ذاته كما عرفت ذاتك أنت؟! متضادات ونقائض. دم بشري شديد الحمرة على التراكمات الثلجية أفتذكر؟؟ بل هل نسيت شيئا من كل دقائق حياتك؟ الصمت في الصمت، في الحزن، في الإفحام، والضجة من حولك والأمل كفرخ حمامة داخل بيضة يجب أن تفقس، وأنت لست مريدا «هنديا» معتزلا في صومعنه عن الدنيا. معرضا عن الأشياء «ابحث یا شلومو! إبحث فتش عمن يفهمك» الكلام هنا أهم من الماء والزاد. الكلام صلة والصلة معرفة والمعرفة هداية وإذا اهتديت بلغت الضالة وحققت المرام، فقم وتجول بين الناس ... عن کردي؟ هذا محال! أفسمعت بكردي يركب البحر من البصرة قاصدا بومباي؟! إلا أنا. جبيلي على هذا المركب. كأني ابحث عن هندي يعتمر كوفية وعقالا؟! وهؤلاء أعاريب الخليج، يرمقونني بعداء وريبة وأحدقهم بتحفظ. ولو فتحت فمي فإن الأمور قد تتعقد. ألكن ومخنون وهجين وكردي يهودي وفارسي اذربيجاني وبغدادي ومسافر إلى الهند. أنا؟ كل هذا أنا. ومهاجر وأفاق ومتاجر ومغامر. أنا وحدي السندباد في مطلع القرن العشرين. أفحقا إنقطع لساني وأصبح كل ما أعرف من لغات مجرد لعلعات قرد عجماء على ظهر هذا المركب؟!

نتف الذكريات وشظايا اللغات المعطلة، تأتي کهبات ریاح هذا المحيط، ولججه الشبيهة بالجبال. «أخاف عليك!» قالت أسمر. «سأزوجك إستير» قالت أسمر. «ماتت إستير ومات الطفلان» تفجعت وأنا أقول هذا لأسمر. الجبيلية آرامية الجبل؟ «هذه لغة اليهود منذ سبانا الآثوريون» قال أبي «والعبرية؟» «لغة توراتنا ولن تغادر المدراش مالم تختمها»، «شالوم علیخم حاخام ناحوم!» كان مضطجعا هناك، لحيته والجليد الهاطل سواء. أين اللحية وأين الجليد؟ العبرية يومها طعنت في قلبها وتجندلت. لم أتلق ردا وقلت لمير علي بالكردية في جولة مبكرة من جولات الحرب في صبلاخ «اطمئن! قد نقلت البيت كله إليك ولم ينقص منه شيء، ولم يسرقوا من بيتك حذوة حصان!» وكان الجنود قرابة عشرة. يقاومون الصقيع برشفات صغيرة من زجاجة فودكا وقلت لهم بلغتهم «أتريدون زجاجات كثيرة من نبيذ معتق؟! ساعدوني إذن في نقل محتويات هذا البيت!» وهبوا جميعا غير مصدقين، وقال لي القجاري وهو محاط بحاشيته ويکترع الخمر من كأس ذهبية «اختر بين خمسين جلدة بعصا مرنة أو ضعفها بعصا جافة» وكان يكلمني بالفارسية ويريد أن أختار بين ميتتين فرددت على تبجحه بالفارسية وعاقبني بالخيارين معا لكنني ظللت ثابت العزيمة والجنان، وأنقذتني الصرة، بل هي الصرة التي ستعيد لي الآن کرامتي المسفوحة، وستنقذني في بومباي لأعود إليك يا أم البنين كما كنت أعود إليك بالحب والكرامة في سالف الأيام.

ويومئذ لم يرتعد جناني. كان ثابتا كالطود الشامخ المعتمر طاقية ناصعة البياض، حين صرخت بالأذرية على مقربة من تبریز «اخرجا یا جعفر ويا حسين أكبر ... ولنتفاهم» فخرجا متوجسين من خلف صخرة وكل منهما يحمل بندقيته ... ورأيت الطيور الجارحة تحوم فوقنا بيد أن قلبي ظل راسخا کجبال أذربيجان. كانت الجوارح تحل حيثما حل الإخوان. وقلت لهما «لن تفعلا هذا، فأنتما مدینان لأبي بهاتين الرقبتين» أو لعلهما بادرا إلى الاعتراف بفضل أبي عليهما. وقال لي بغدادي يهودي کریم، بعد أن فررنا مرغمين من صبلاخ «الإنكليز عندهم شغل بلاکت، تقبل تشتغل بالخرا؟!» فأجبته «يشتغل! يشتغل بالخرا ولا يعتاز على خرا إبن خرا» والآن أقوقيء«نا» «نا» وأدفع الصحن من أمامي. أقوقيء كدجاجة أمام نادل المركب الهندي وأضع يدي على دبري وأعيدها مكورة وأبرز له إصبعين ... أريد بيضتين! وأشير إلى الخبز.. وخبزا «لن أتناول لحما، ولن أكل بهذه الصحون فأنا متدين أكل الكاشير فقط ولا ألمس ماعونا احتوى على الدهن واللحوم معا، ففي ديننا يفصلون بين أواني اللحم وأواني الحليب ومشتقاته «أقولها لنفسي فكيف يفهمني الهندي؟ لا بل هو ذكي فطن، قد أدرك فهز رأسه، وضحك، وأسرع ليأتيني بالبيض والرغيف...» وأريد أيضا سمكا مشويا وهاته على ورقة أو داخل رغيف خبز ... والعمبة كذلك! بإشارات الخرسان وضحكات الطرشان، وإشارات القرود وقوقأة الدجاج. وأنتحي رکنا، القذارة أنظف منه، أفاق مشبوه وأثير ريبة الناس، وأثیر الإشمئزاز، أكل وأمسح فمي بأكمام ثيابي ثم أشرع بدمدمة طويلة «بركة الطعام شفتاي تختلجان. والهمس المكتوم يطول. ويعدي الجمع من حولي فأراهم يتسارون «غریب هذا الرجل... غریب!» بالطبع لا أفهم هذا، لكني أقرؤه على وجوههم. والسحنات داهشة وترمقني بعلامات السؤال. وأقسم أنها في الأرجع كانت تتساءل «من هذا؟ وبماذا يتمتم؟!» كانوا يحدقون في خرجي بدهشة ويتابعون في الصباح يدي المندسة فيه، الخارجة منه بهذا الخرج الآخر الصغير. افتحه وأنشر «صصيثا» كالشراع ثم أتلفع به کوشاح وأشمر عن ردني الأيسر، إلى ما أعلى الذراع، ثم ألف حولها هذا السير الأسود، وإذاك، لا أری بعد أحدا. إذ أغوص في صلاتي وأتلاشى في ذات قوة عليا مع دعائي «اللهم يامن حباني برعايته في أحرج الساعات وشملني برحمته في أقسى الأوقات سدد خطاي ووفقني، واحفظ لي أسمر والبنين!»

فرغت. النظرات من حولي شبكة صياد وتسحبني إلى الغربة ثانية. إلى هذا اللوح من الخشب العطن المتأكل الرطب. يتهامسون من جديد. فاشعر بانحکام الشبكة على بدني، ويكتم روحي هذا «الغيب» الواقع قدامي. واقع مجهول. واقعهم. إما أنا فيعود ويلح علي السؤال «أحقا صَدَقَتْ أسمر أم البنين؟!»

مهلا. إنه يقصدني، هذا الرجل الأسمر البدين، الساتر عورته بوزرة الهنود، العاري حتى سرته، رغم أن في الجو مازالت تسري برودة وتترجم التفكير بالتعري إلى قشعريرة. هذا الرجل الأكثرهم فضولا، الملازمني بنظراته منذ انتحيت هذا الركن، قبل ثلاثة أيام، فلم أغادره إلا عند الحاجة القصوى. يقصدني الآن، يقرفص بجواري ثم.. «شالوم عليخيم!»

مرحی! سیماؤنا بوجوهنا وبعوراتنا. نعرف بعضنا في الحياة والممات.

- بغدادي؟

- بل کردي ايراني قذفت به الظروف قبل سنوات إلى بغداد. كلانا مخنون العربية البغدادية، وخنتي أعرف كنهها، لكن لكنته من أين؟

- غادر أهلي بغداد إلى بومباي قبل عقود، وأنا ولدت هناك وأسكن هناك لكننا مهما بعدنا عن بغداد نبقی بغاددة، وأهلي، أعني أقاربي، مازالوا بالعراق.

- أجئت زائرا؟

- زائرا وحاجا، النبي حزقیل، عزرا السوفير، يهوشواع الكاهن، النبي يونا... نعم. نحن نحيا هناك لكن قلوبنا أبدا في العراق.

رغم اللكنتين، تحقق الاتصال. تقيأتني أحشاء الغربة في أحضان يهودا بحر. قال.

- باسم هذا البحر بالذات لقبنا، إذ قطعه جدي لأول مرة سالكا هذا الطريق إلى الهند .

إن يهودا «بحر» يختلف عن هذا البحر. إنه هاديء رقيق ورزين. أما هذا، فكانت أبعاده اللامتناهية تمسخني ذرة رمل، كنت أتقلص حذو هذا المجهول وأصاب بروعة غامضة المصدر، إزاء اللجج المتعالية كأطواد إيران وكردستان، وكان يهودا يضحك من جهلي بالبحار ويقول.

- بل قد اخترت الوقت المناسب. نحن في أوائل الربيع، والبحر هاديء نسبيا، أفلم تسمع بأيام «البرصات» في الصيف؟!

تلك هي قيامة البحر وثورته الكبرى في هذه الأطراف من العالم، هاديء؟ يجوز فيوم كان يقتل بصبلاخ عشرة من الأطفال والنساء اعتادوا القول، إن الوضع ليس وخيما. كان عزرائيل يجند كل أعوانه ويحصدون معا الأرواح، إبان تلك الحرب اللعينة، بلا حساب. إلا أن النسبية تأتي لتوضح حقائق الأمور وظواهر الطبيعة. وكان التقتيل والتدمير أصدق الحقائق، وكان ظاهرة ثابتة في الليل والنهار وفي البرد والحر والخريف والربيع.

هاديء هو البحر يقول! والاتصال تحقق. اتسعت من خلاله مداركي، فعرفت أشياء كثيرة وأنا ملازم یهودا بحر كخفقات قلبه. فجأة، أصبحت هذا الطفل الكبير المتعلق بأذيال «أبيه» يلاحقه إلى حيث يمضي، ويمضي معه حتى إلى المرحاض. إني معه، ومعي أسمر والأولاد، وخرجي وصرتي ومعي الأمل الكبير. أسعفني يهودا بمعلومات كثيرة لكنه لم يعلقني بهذا الأمل. لقد أخفيت عنه أمر الصرة وكبحت جماح أحلامي وأنا أحدثه عن سر ركوبي البحر إلى بومباي، إني مجرد أفّاق يبحث عن رزقه في أرجاء دنيا الله الواسعة. هذا فقط. ومن الخير أن أحدثه عن الماضي - الحقيقة، من أن أحدثه عن المستقبل المكنون في علم الله وحده. أفاق يحدث رجلا «فقيرا» عن أشياء تسمر له حتى شعر صدره وبطنه العاريين ... بالقنطار أحدثه وأخذ منه بالمثقال. اسدد اسئلتي في الوقت المناسب وأصوغها بيد خبرتي الطويلة. لا أقذف به إلى أبواب الشك ولا أحرجه بأمور يجهلها في الأرجح، هذا الذي يقطن مع زوجته وأولاده الستة، في غرفة بمنزل مشترك، لا تدخله الشمس وتغمر المياه القذرة صحنه على مدار العام. لقد وصف لي «نکبارا» مأوى الفقراء في بومباي من المهاجرين من يهود العراق، ولا ريب أنها تشبه زقاقنا، وحي المهاجرين الأكراد في بغداد. ولربما تفوقه ضعة وحقارة.

قال لي بعد يومين من «اتصالنا»

- كم كنت أتمنى أن أضيفك عندي ولكن ...

عرفت كل شيء بعد «لكن» هذه، ثم بعد هذه الجرعة من المعلومات، جاءت «لكن» أخرى، تحمل جرعة، أكثر إشراقا.

- ولكن ثمة «آل ساسون» ذرية داود ساسون المحسن المعروف، إنهم يقيمون أود كل غريب، ولم يخب من يلجأ إليهم ولن يجوع أو يتشرد .

ها قد ضمنت نفقاتي في بومباي. من قبل كنت أنا من يطعم الضيف ويقريه لكنها الضرورة، وللضرورة أحكام. ولقد ضمنت الزاد ولن أنام على رصيف مع آلاف المتشردين والمتسولين، كل هذا دون أن أمس صرتي بسوء. فلن أفقد الهدف الذي من أجله ركبت البحر، إن هذه الصرة قد رصدت لتعيد المجد وتحقق الحلم، وسأفعل هذا، وحق عينيك يا أم البنين!؟

هابي قد اكتسبت صديقا ودليلا وأنا بعد في عرض البحر وحين سيرسو المركب في ساسون دوك ...

لا، لا. إن أشباح الماضي تنبعث فجأة. شیاطینه ترقص على أشلاء ملائكته الصريعة. رادع، مفاجآت كانت تتولد في كل لحظة، ترى كيف ستكون اللحظة القادمة؟ مفاجأة. اللعنة على ذاك الماضي والذكريات!

مفاجأة ... رادع! لا تستبق الأحداث یا شلومو! ترى ماذا سيحدث بعد أن أخطو خطوتي الأولى على رصيف ساسون دوك؟! ووضعت اتكالي على من لم يخذلني في أحرج اللحظات ... ربي ملاذي ومقدر الأرزاق .

לטקסט בעברית: שלמה הכורדי, אני והזמן

تم النشر ضمن تعاون بين الساحة ومشروع مكتوب- أدب عربي بالعبرية (المشروع برعاية معهد فان لير بالشراكة مع مفعال هبايس).

תגובות

הזינו שם שיוצג באתר
משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ