الدولة التي تخون مواطنيها

محمّد دراوشة
מעבר לטוקבקיםכתוב תגובה
הדפיסו כתבה
صفقة القرن
صفقة القرن : تحولت مقولة "بيبي أو طيبي" إلى مخطط نزع مواطنة كاملצילום: רמי שלוש
محمّد دراوشة

למאמר בעברית: מדינה שבוגדת באזרחיה

صاغ مستشارو ترامب اليهود الأربعة: جارد كوشنير، ديفيد فريدمان، جيسون غرينبلاط وآفي بركوفيتش، بالإضافة إلى شِلدون إيدلسون وزوجته مريام، رسالة استسلام الفلسطينيّين، وأطلقوا عليها اسم "اقتراح الولايات المتّحدة لاتّفاقيّة السلام في الشرق الأوسط". وعليه فإن كل مَن يعتقد حتى اللحظة أن هذه الخطّة قد تقودنا إلى واقع أفضل، فهو إنسان يعاني من الهلوسات. إن كنت لا تعاني من الهلوسات، فعلى الأغلب أنّك تحاول كسب دعم مؤقّت لهذه الخطّة الوهميّة. فمن خلال هذه الخطة سيحاول بنيامين نتنياهو كسب قاعدته السياسيّة اليمينيّة التي يعتمد عليها. أما ترامب فسيحظى بملايين الدولارات التي سيقدّمها له متبرّعون يهود يمينيين، بالاضافة إلى كسب ود المسيحيّين الإنجيليّين له.

أمّا الفقرة في صفحة 13 من الخطّة والتي تتناول موضوع ضم المثلّث للسلطة الفلسطينية، فتتجاوز مرحلة الهلوسة وتصل حد الجنون. فعمليًّا، توافق هذه الفقرة على اقتراح ليبرمان الصادر في أيّار 2004 حين كان وزيرًا للمواصلات، استبدال الأراضي كأحد عناصر التسوية الإسرائيليّة- الفلسطينيّة. لا يخفى على أحد أن دافع هذ المخطط عنصريّ، ويمكن اختصاره برغبة الدولة تقليص تعداد الجمهور العربيّ في دولة إسرائيل.

على الرغم من ادعاء خبراء القانون بأنّ عملية تبادل الأراضي، هي خطوة قانونيّة يمكن للدولة اتخاذها. ولكن، فعليًّا، لا يمكن للدولة أن تُصادر المواطنة بشكل اعتباطيّ، ليس بحسب القانون الإسرائيليّ ولا بحسب القانون الدوليّ. لذلك، فإننا نعي أن هذه الخطوة  جاءت لجذب ليبرمان ولإعادته إلى حضن اليمين بعد أن تمت المصادقة على موقفه بشأن نزع شرعيّة مكانة المواطنين غير اليهود في دولة إسرائيل. لقد تبنّى بيبي خط ليبرمان العنصري في علاقته مع المجتمع العربيّ في الدولة. حيث بدأ ذلك بمقولات مثل "بيبي أو طيبي"، "بيبي جيّد لليهود"، "يتدفّقون لصناديق الاقتراع"، "يزوّرون الانتخابات" إلخ، ولكنّه يغوص الآن في أعماق العنصريّة القوميّة العلنية، كاشفا بذلك عن الانتهازيّة التي تكمن وراء نهجه.

لكن ما أحزنني هذا الأسبوع  كان صمت الأغلبيّة اليهوديّة في إسرائيل، والذي أُفسّره كموافقة على الخطّة المُقترحة. فقد صرح  بيني غانتس إنّه سيضع الأسبوع القادم صفقة القرن كاملةً على طاولة الكنيست، من أجل المصادقة عليها.بل ووصل به الحد أنّه قال إنّ الخطّة تعكس تمامًا مبادئ احزب كاحول لافان لأساسيّة! لم يستثنِ غانتس بند ضم المثلّث ولم يتطرّق إليه كبند إشكاليّ. يحاول جانتس بدوره كسب أصوات ناخبي اليمين ويُرضي ليبرمان صاحب فكرة تبادل الأراضي.

بات واضحا للجمهور العربيّ بالبلاد أن التغيير لن يأتي على صورة غانتس بتاتا. حيث لا يبدو موقف غانتس مغايرًا في هذه القضيّة السياسيّة عن موقف اليمين، بل على العكس يرى جانتس المواطنين العرب من خلال منظور يميني- عنصريّ. أود تذكير السيّد غانتس، واليهود العاقلين على الأقل، ببضع جمل تاريخيّة اعتمدت عليها علاقات اليهود والعرب في الدولة.

جاء في وثيقة الاستقلال: "ندعو [...] أبناء الشعب العربيّ سكّان دولة إسرائيل إلى المحافظة على السلام والمشاركة ببناء الدولة على أساس المساواة التامة في المواطنة". تشير هذه الكلمات التاريخيّة إلى اعتزام الدولة تقبّل الأقليّة العربيّة كمواطنين مساوين.

في خطاب استسلام مدينة الناصرة في 16 من تمّوز 1948، شدّد بند رقم 9 على اعتراف "حكومة إسرائيل متمثّلة بالقائد العسكريّ  بمساواة حقوق سكّان الناصرة المدنية بحقوق باقي سكّان إسرائيل دون تفرقة دينة، عرقية أو لغوية". وقّع على هذا الخطاب ممثّلو الجيش وحكومة إسرائيل على رأسهم لاسكوف وبنيامين دونكيلمان.

هذا ما كُتب أيضا في خطابات استسلام بلدات عربيّة أخرى.كل هذه العبارات كان عبارة عن وعود أساسيّة اعتمدت عليها علاقات الدولة بمواطنيها العرب. تم لاحقا دمجها بقوانين الأساس التي شددت على الهُويّة الديمقراطيّة- الليبراليّة لدولة إسرائيل، كقانون أساس: كرامة الإنسان وحرّيته، قانون أساس حريّة التعبير عن الرأي، قانون أساس حريّة العمل، قانون أساس حريّة الحركة وقانون أساس حريّة المُلكيّة.

اختارت دولة إسرائيل في اتّفاقيّات أوسلو عدم التفاوض على مكانة المواطنين العرب. مصرحة بشكل غير مباشر أنه وعلى الرغم من أن العرب مواطني الدولة جزء لا يتجزأ من الصراع الإسرائيليّ- الفلسطينيّ، فإنهم لن يكونوا جزء من الحلّ المرتقب. وبهذا اعتبرت الدولة نقاش شأن هذه المجموعة أمرا إسرائيليّا داخليّا. وعليه سيتم نقاش المواضيع المتعلّقة بهم من خلال مؤسّسات الدولة، كالكنيست، المحاكم الإسرائيليّة وحكومة إسرائيل. وبهذا أخذت الدولة على عاتقها مسؤوليّة مواطنيها العرب، ولم تسمح بتأثّر مصيرهم بعوامل خارجية.

أوصت لجنة "أور" بعد عدّة سنوات، بأنّ تقوم الحكومة بدمج الجمهور العربيّ بشكلٍ متساوٍ. حدّدت اللجنة في توصية رقم 12 طريقا واضحا لتطبيق ذلك: "يجب أن يكون الهدف الأساسي لنشاط الدولة هو إحقاق المساواة الكاملة لمواطني الدولة العرب". كما وذكرت التوصيات أيضًا أنّ حقّ المواطنين العرب في الدولة بالمساواة، ينبع من ديمقراطيّة  الدولة وأن الحقّ بالمساواة فيها هو حق أساسي. يتناقض التعامل التمييزيّ والعنصري مع حقّ المساواة الأساسي المنبثق بحسب رأي الكثيرين، عن حقّ الإنسان بالكرامة. لذلك، تنصّ التوصيات على التالي: "أنّ من مصلحة الدولة العمل على محو عار وصمة التمييز العنصري ضدّ المواطنين العرب، بكلّ أشكاله ومظاهره المختلفة... نُذكِّر أنّ وظيفة الدولة بهذا الصدد لا تقتصر على الأمور الماديّة فقط. بل على سُلطات الحكم إيجاد الطرق التي تتيح للمواطنين العرب التعبير عن ثقافتهم وهُويّتهم في الحياة العامّة بطريقة لائقة ومحترمة".

أضافت اللّجنة في توصياتها أيضًا أنّه يجب السعي والعمل لضمان حياة مشتركة وعادلة لليهود والعرب في البلاد، لأنّ المساواة هي إحدى دعائم مبنى الدولة القانونيّ والأساسيّ. بالاضافة إلى أن حظر التمييز العنصري سارِعلى كلّ المواطنين. وذكرت أيضًا: "يجدر إيجاد طرق لتعزيز إحساس انتماء المواطنين العرب للدولة دون المساس بانتمائهم لثقافتهم ولمجتمعهم".

سأكتب في فرصة أخرى عن مئات الأطبّاء العرب من كفر قرع، مئات الصيادلة من أمّ الفحم، مئات الممرّضات من الطيبة والطيرة، مئات أطبّاء الأسنان في صناديق المرضى، التُجّار، سائقي الحافلات وسيّارات الأجرة، العاملين في الهايتك من منطقة المثلّث. يندمج  كل هؤلاء بالحياة اليوميّة في الدولة ويخلقون مكانا آمنا لاستمرار العلاقات بين الشعبين، على الرغم من الخطاب السياسيّ العنصري السائد الذي وجد طريقه إلى صفقة القرن.

يشعر الكثيرون من أبناء المجتمع العربيّ أن الدولة تخونهم، فهي تعدهم بالمساواة الاجتماعيّة والاقتصاديّة في إطار ديمقراطيّ، ولكنّها تزعزع شرعيّة مواطنتهم بشكل ممنهج. إنّه تمييز قوميّ، ويرعاه كلّ من بيبي وترامب والأغبياء الذين يجرّون من ورائهم.

الكاتب مدير مركز المساواة والمجتمع المشترك- جفعات حبيبة

למאמר בעברית: מדינה שבוגדת באזרחיה

תגובות

משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ