هون مشان أضل!

שירין פלאח סעב
שירין פלאח סעב
نساء
שירין פלאח סעב
שירין פלאח סעב

למאמר בעברית: כאן כדי להישאר

قلت لصديقتي عبر الهاتف: "وجدت كنزًا". ارتجف جسدي وذُهلت لمرأى عينيّ وأدركت أنّه يجب أن أشارك ما اكتشفته. مشيت في الردهة وتردّدت في رأسي جملة قالتها صديقتي لي: "شيرين، إذا كنت معنيّة بالكتابة عن النساء عليك أن تعرفي تاريخهن".

عايشة عبد الرحمن كانت كاتبة وصحفيّة ومثقّفة مصريّة.في كتابها "صور من حياتهنّ" كتبت قصص نساء فلّاحات مصريّات ناضلن من أجل مكانتهنّ في العصر الحديث في مصر، وطمحن للانخراط بالتعليم وللاندماج في الحياة الحضريّة. سلطت عبد الرحمن الضوء في كتابها على معنى "تحرير المرأة" في مصر الحديثة في نهاية القرن التاسع عشر. كانت هذه الفترة التي خلعت فيها هدى شعراوي الحجاب كرمز للتحرر في ميدان التحرير.كانت شعرواي إحدى النساء المصريات اللاتي قُدن النضال من أجل تحرّر المرأة في مصر ودعت إلى تحرير كل النساء.

لكن عبد الرحمن طمحت إلى تحرر نسوي من آخر. استحضرت في كتابها قصص نساء رائدات في المجال الاجتماعيّ والثقافي من خلال كتابة وتحليل نصوص أدبيّة، الأمر الذي كان حكرًا على الرجال في المجتمع المصريّ آنذاك. كشفت عبد الرحمن من بين  بين سطورها الثمن الاجتماعيّ الباهظ الذي تدفعه النساء، والوحدة التي يتّسم بها عالمهنّ الخاصّ.

كانت عائشة عبد الرحمن امرأة قياديّة في عدّة مجالات لم تخضها النساء من قبل، كالخطاب الاسلاميّ المذهبيّ من وجهة نظر جندريّة وتاريخيّة.  كما ودرست عبد الرحمن في جامعة الأزهر في النصف الثاني من القرن العشرين، وحازت على جائزة الملك فيصل للأدب والدراسات الإسلاميّة، وكانت ثاني امرأة رئيسة تحرير لجريدة "الأهرام" بعد ميّ زيادة. ركّزت جهودها عام 1970 على دراسة وتحليل القرآن في جامعة "القرويّين" في المغرب، وحتّى أنّها جَرؤت وطوّرت منهجا مبتكرا في مجال تحليل القرآن يدمج بين ثقافتها الدينيّة التقليديّة وبين مناهج تحليل اكتسبتها خلال دراستها الأكاديميّة.

حاولت أن أشرح لصديقتي: "ولكن، تمعني جيدا فيما كتبته، صوتها مختلف في هذا الكتاب ! إنّه صوت متردّد، خائف، غير واثق. هذه ليست نفس العائشة التي قرأتها في كتب أخرى"، وطلبت من صديقتي هامسةً في أذنها: "ولكن، على الرغم من ذلك، هذا كنز. كافحت عائشة بهدوء، وليس كباقي نساء في حقبتها. حاولت في هذا الكتاب، أن تقول في هذا الكتاب شيئا ما زلت لا أفهمه تمامًا. عِديني أنّك ستستمرّين في بحث هذه القضيّة، من أجل كلتينا".

نشرت عائشة عبد الرحمن أولى قصائدها في مجلّة النهضة النسائيّة تحت الاسم المستعار "بنت الشاطئ". يعود هذا الاسم إلى فترة طفولتها، حيث عاشت قرب البحر في مدينة دمياط المصريّة. قرّرت عبد الرحمن ألّا تكشف اسمها الحقيقيّ كي لا تؤذي عائلتها، كانت المعايير الاجتماعيّة التقليديّة التي اتّبعتها عائلتها مخيفة.

تطاردني قصّة عائشة عبد الرحمن. فكلّما تعمّقت أكثر في أحداث حياتها وخصوصًا في بعض مقاطع سيرتها الذاتيّة "على الجسر"، أجد بين السطور المخاوف التي طاردتها عند دخولها إلى الحيّز الذكوريّ العام، لأنها مساحات كانت حكرًا على الرجال فقط. لقد كانت تدرك أنّ لا شرعيّة لوجود النساء في هذه المساحات، حتى وإن كان هذا الوجود شبه افتراضي. كانت تعرف أن لا شرعيّة لكلماتها ولآرائها ولأفكارها، لا شرعية لعائشة المرأة.

أحاول أن أتخيّل كم كانت عائشة "الفتاة" خائفة عندما قرّرت أن تُرسل قصيدتها الأولى للمجلّة، وكم كانت خائفة من كشف نفسها وعالمها الداخليّ. فلقد اضطرت للكتابة تحت اسم مستعار كي لا تعرّض نفسها و "شرفها"  للخطر. أحاول أن أفهم ما هي الاضّطرابات والدراما التي لفّت حياتها وقادتها لكتابة الكتاب المذكور، وخصوصًا بعد أن كانت صحافيّة استقصائيّة، معروفة تحظى بالاحترام والتقدير.

كانت عبد الرحمن رائدة في مجال البحث الأدبيّ بما يتعلّق بمؤلّفات أبو العلاء المعريّ. عندما سُئلت حول اختيارها هذا المجال بالذات  قالت: "اخترته لأنّه كان رجلاً معاديا للنساء، وكان معارضا لتعليمهنّ القراءة والكتابة أو تثقيفهنّ. هذا قادني لدراسة أعماله. سافرت إلى مدينة حلب لأكون أوّل امرأة تحاضر عن "رسالة الغفران" (إحدى النصوص المعقّدة التي كتبها الشاعر).

اليوم، وبعد مرور عقود عدّة على نشر عائشة لقصيدتها الأولى، أفهم أنّه يتمّ التعامل مع المرأة الكاتبة على أنّها تهديد للنظام الاجتماعيّ القائم. لا أستغرب قرارها الكتابة تحت اسم مستعار، وأعتقد أنّها لو عاشت أيامنا، لكانت تعرّضت للمحاولات تجريج علنية، أو ما يُسمّى "شيمينغ". يكشف كتابها "صور من حياهنّ" الجانب الخائف والمتردّد الذي تعيشه النساء الكاتبات، تمامًا كما حدث مع شارلوت برونتيه وأخواتها اللاتي نشرن مجموعات قصائد شعريّة مشتركة في القرن التاسع عشر، تحت أسماء ذكوريّة مستعارة.

يعلمنا التاريخ أنّ كتابة النساء في المجتمعات التقليدية هي أمر مخالف لقوانين اللعبة. ولكن ومع ذلك أقول أن لدي بل لدينا كنساء ما نقوله ونكتبه، اخترت الكتابة لأقول.اليوم وفي عام 2020، وخلال كتابتي هذه السطور أدرك أنّ النساء العربيّات اللاتي يخترن تسليط الضوء على قضايا معقّدة ومركبة، لا يحظين بشرعيّة. كامرأة عربيّة وكاتبة، أواجه تعليقات عنيفة وتحقيريّة. فمثلاً، كتب لي أحد المعقّبين بعد أن نشرت مقال رأي: "لماذا تكتبين؟ وفي صحيفة "هآرتس" اليهوديّة- الاسرائيليّة أيضًا؟".

في نهاية المطاف مكاني على الهامش، حيث يتوقع المجتمع برجاله مني أن أسكت واقضي معظم وقتي في المطبخ، لا بالتفكير والكتابة. لست مستغربة من تعقيبات القرّاء (وخصوصًا العرب من بينهم)، ولكنّني أعرف أيضًا أنّه وراء هذه التعقيبات خوف كبير من التمعّن الداخلي والإشارة إلى عيوبنا كمجتمع عربيّ. إنّه الخوف من ضرورة تحمّل مسؤوليّة فشلنا، ولكنّه أيضًا الخوف من تغيير ميزان القوى الاجتماعي القائم.

أمّا بالنسبة لكلّ المعقّبين العنيفين الذين يحاولون تحقيري: اعلموا أنّني أكتب من أجل النساء الآتيات بعدي، من أجل بناتي، من أجل النساء اللاتي يخفن ويتردّدن بالبوح بما يدور وراء الأبواب المغلقة. هذا ما سأفعله سأكتب في صحيفة "هآرتس" لأنّي لن أسمح لأحد أن "يُربيني" او يملي ارادته عليّ - هآرتس مساحة متسامحة تحتويني. أنا أكتب، من أجل عائشة ومن أجل كلّ النساء اللواتي تمّ إسكاتهنّ. وأنا هنا لأبقى ولتبقى كلماتي من بعدي.

الكاتبة أم لطفلتين وطالبة دكتوراة بجامعة حيفا

למאמר בעברית: כאן כדי להישאר

לחצו על הפעמון לעדכונים בנושא:

תגובות