ليس غريبا على من ترك جريحًا ينزف حتّى الموت أن يخطف جثّة بجرّافة

هناك خطّ واضح يصل بين اختطاف جثّة محمّد علي النعام ابن السبعة وعشرين عامًا من خان يونس والتنكيل بها بواسطة جرّافة عسكريّة، وبين ترك يعقوب أبو القيعان ينزف حتّى الموت.

שתפו כתבה במיילשתפו כתבה במייל
שתפו כתבה במיילשתפו כתבה במייל
מעבר לטוקבקים
דחפור
סבי יאפא
סבי יאפא

למאמר בעברית: מי שמפקיר פצוע לדמם למוות יחטוף גופה בדחפור

شاهدنا عبر وسائل الإعلام على أنواعها يوم الأحد 23.02.20 مشهدا فظيعا تم فيه اختطاف جثّة الفلسطينيّ محمّد علي النعام البالغ من العمر سبعة وعشرين عامًا من خان يونس، بواسطة جرّافة عسكريّة والتنكيل بها. حدث ذلك على ضوء عدم تأكيد أي طرف رسمي موت النعام وقت وقوع الحادثة، بل ومن المحتمل أنّه كان حيا مصابًا بإصابات بالغة. حاول سائق الجرّافة العسكريّة رفع الجثّة من الرمال كما لو أنّها كومة قمامة يجب التخلص منها. طبعا كما شاهدتم علقت الجثّة بأسنان كفّ الجرّافة وتأرجحت يمنة ويسرة. أول مشهد تبادر إلى ذهني عندما شاهدت هذا المشهد الفظيع، كان مشهد إخلاء جثث اليهود بواسطة جرّافة في معسكرالاعتقال بيرغين بيلسن.

لم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها والتي يقوم من خلالها جيش الاحتلال باختطاف جثث فلسطينيّين (بهدف استعمالها للمساومة مستقبلاً). حيث تحتفظ إسرائيل حتّى اليوم بـ 58 جثّة (بحسب تقارير "نادي الأسير" الفلسطينيّ). ولكن، كل هذه الأحداث حصلت حتى اللحظة بالعتمة وبعيدا عن الأضواء. لكن جديد هذه الحادثة كان، أنّ اختطاف الجثّة حدث في وضح النهار وبوجود كاميرات وثقت العمل الفظيع لحظة تلو الأخرى. يدلّ قرار اختطاف الجثّة بهذه الطريقة في وضح النهار، عن عمد ومع الأخذ بعين الاعتبار احتمال توثيقها، على فقدان الخجل والإنسانيّة بشكلٍ مطلق.

لا تنعدم الإنسانيّة فقط عندما يتعلّق الأمر بالفلسطينيّين في غزّة، وإنّما انعدمت سابقا عندما تمّ إهمال يعقوب أبو القيعان وتركه ينزف حتّى الموت في تاريخ 18.02.2017. تبيّن لاحقا من فحص وتحقيق قامت به لجنة مناهضة التعذيب العامة في إسرائيل بالشراكة مع وكالة أبحاث الطبّ الشرعيّ في لندن- Forensic Architecture، أنّ طبيبة قوات الشرطة والمضمّدين، الذين تواجدوا على بُعد أمتار قليلة من يعقوب أبو القيعان، لم يقدّموا له الإسعافات الأولية المطلوبة رغم قربهم منه بل تركوه ينزف حتى الموت.

بحسب تقرير معهد الطبّ الشرعيّ، أصابت رصاصات أفراد الشرطة أبو القيعان في كتفه وركبته- وهي إصابات قلما تؤدي إلى الموت بشكلٍ مباشر. كان سبب وفاة  أبو القيعان وفقًا للتقرير، فقدان كميات كبيرة من الدم، فقد فارق أبو القيعان الحياة خلال "عشرات الدقائق" من موعد إطلاق النار عليه. أظهر التقرير الشامل الذي أعدّه أورين زيف في "سيحاه ميكوميت" في تاريخ 20.02.2020 التفاصيل الكاملة حول الإهمال الذي تعرض له يعقوب أبو القيعان والذي أدى لاحقا إلى موته.

تنضم هاتان الحادثان إلى سلسلة طويلة من جرائم الحرب والتعامل التعسّفي ضدّ الفلسطينيّين التي نشهدها يوميٍّا تقريبًا. حوادث روتينية اليكم بعضها، رصاصة مطّاطيّة يتم اطلاقها من قبل جندي على فم فتى في منطقة قلقيلية يوم الجمعة 21.02.2020 (بحسب الهلال الأحمر)، هجوم جرّافة عسكريّة على متظاهرين في كفر قدّوم ودحرجة صخور باتّجاههم وتعريض حياتهم للخطر (تمّ نشر فيديو يوثّق هذه الحادثة عبر الإنترنت)، ملاحقة أفراد حرس الحدود مُسنّة فلسطينيّة وزعت الشوكولاطة على المُصلّين، ضرب أحد المصلين بعنف ودون سبب من قبلِ أحد أفراد الشرطة (تمّ نشر فيديو يوثّق هذه الحادثة عبر الإنترنت). ولا ننسى طبعًا حادثة إطلاق النار على رأس الطفل مالك عيسى ابن التسع أعوام من العيساويّة في تاريخ 15.02.2020، حادثة كانت نتيجتها فقدانه البصر في عينه اليُسرى.

إن الخيط الرفيع الذي يربط كلّ هذه الحوادث ببعضها هو سلب إنسانيّة الفلسطينيّين (بما في ذلك سكّان إسرائيل). أصبحت عمليّة سلب الإنسانيّة واضحة، علنيّة وأكثر حدة. حيث باتت عمليات اختطاف الجثث ممارسة علنية تتم في وضح النهار بعد أن كانت سرّيًة. لكن الأدهى والأمر أن قبول الجمهور الواسع لهذه الممارسات الفظيعة دون مبالاة، يسمح بتوسيع هامش العنف وممارسته ضد الفلسطينيين. وعليه فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما هو هذا الهامش وهل هناك حد له؟ بنظري لم يعد هناك وجود لأي حدٍ، بل سوف تستمرّ الحدود بالتمدد حتى تطال المجتمع الإسرائيليّ دون أي رادع.

فاعتقالات نشطاء حقوق الإنسان، اليساريّين والناشطين اداريا لم تكن أبدا سيناريو خيالي. لكن استمرار السكوت عن هذه الجرائم بالتزامن مع لامبالاة الجمهور إزاء الفظائع التي يرتكبها جيش الاحتلال وحرس الحدود بحق الفلسطينين، ما هي إلا وصمة عار على جبين المجتمع الإسرائيليّ. سيستمرّ هذا السكوت أيضا عند اعتقال ناشطي اليسار الذين ينتقدون نظام القمع والاحتلال.

لا يمكن فصل لا مبالاة الجمهور الإسرائيليّ إزاء الجرائم ضدّ الفلسطينيّين عن التحريض المستمرّ الذي يقوم به السياسيّون ضدهم، وعلى رأسهم رئيس الحكومة  الحالي بنيامين نتنياهو (ضدّ سكّان إسرائيل الفلسطينيّين وضدّ سكّان المناطق المحتلّة). يهدر هذا التحريض المستمر دماءهم ويسمح للجمهور الإسرائيليّ بأن يظل لامباليا. يتسرب حوار نزع الشرعيّة ونزع الإنسانيّة ليس فقط إلى الجمهور اللامبالي، وإنّما، وبالأساس، إلى منفذي سياسات حكومة الاحتلال، أعني الجنود وأفراد الشرطة.

علاوة على ذلك، لن يظل المنزلق الأخلاقيّ وانعدام الإنسانيّة حِكرا على المعركة العسكريّة، بل سيتم التعبير عنه في المعركة المدنيّة. حيث سيصبح الجنود والجنديّات المتورّطين مباشرة في جرائم الحرب هذه مواطنين مدنين، أولياء أمور وأفرادًا في المجتمع المدني. أتساءل كم شخصا منهم سيكسر حاجز الصمت وسيعبر عن ندمه؟ وكم منهم سيتحول إلى انسان غير مبالٍ لألم ومعاناة الآخرين؟ أتساءل حقًا ما الذي فكّر به سائق الجرّافة الذي رفع جثّة الفلسطينيّ كأنّها كانت كومة قمامة؟ هل كان واعيًا لفظاعة العمل الذي قام به؟ هل كان مدركًا للدور الذي لعبه؟ سيدّعي طبعا أنه "عبد المأمور"،  وأنّه أطاع أواكر قواده. سيدّعي جميعهم، أطعنا الأوامر لا غير، تمامًا كما أطاعت جماعة أخرى الأوامر العسكرية في سنوات الحرب الغابره.

تذكّروا دائمًا: السكوت هو جريمة حرب. لذلك، عليكم رفع أصواتكم، الكتابة، الصراخ، الإحتجاج والتظاهر ضدّ الفظائع، الجرائم، انعدام الأخلاق والقيم. سأنهي باقتباس من قصيدة مارتين نيمولر "لم أرفع صوتي"، والتي جاء في نهايتها التالي:

"ثُمّ جاءوا إلى اليَهُود،

فَلَمْ أرْفَعْ صَوْتِي،

لأنّي لَمْ أكُنْ يهوديًّا.

بَعْدَئذٍ جاءوا إليَّ،

فَلَمْ يَتَبَقَّ أحَدٌ

لِيَرْفَعَ صَوْتَهُ لأجْلِي"

الكاتب ناشط في مجال حقوق الانسان

الكاتب ناشط في مجال حقوق الانسان

למאמר בעברית: מי שמפקיר פצוע לדמם למוות יחטוף גופה בדחפור

للانضمام لمجموعة الساحة على الفيس بوك

תגובות

הזינו שם שיוצג באתר
משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ