"اليد الحديدية" أسطورة أم حقيقة؟

ياريف موهار
מעבר לטוקבקיםכתוב תגובה
הדפיסו כתבה
سيرلانكا: حافظت على حقوق أساسية معقولة، لكنها قمعت من جهة أخرىצילום: אי־אף־פי
ياريف موهار

למאמר בעברית: מיתוס היד החזקה על שולחן הניתוחים

تعجّ منطقة الشرق الأوسط بالعنف السياسيّ، بما في ذلك الإرهاب وحروب العصابات. لذلك، فلا غرابة أن يسود في الكثيرمن مجتمعات المنطقة الإعتقاد بأنّ سياسة اليد الحديدية وسيلة ناجعة لمكافحة الإرهاب. بالإضافة إلى ذلك يتم دعم القيادات القويّة التي تستخدم العنف والبطش الشديد والعشوائيّ تجاه المجتمع المدنيّ، الذي افرزعناصرا ارهابيّة. ولإثبات نجاعة هذا النهج، يقدّم مناصروه أمثلة مختلفة من العالم،: تعامل الروس مع الثورات في الشيشان، مكافحة سيريلانكا لمنظمة نمورالتاميل، وقمع الملك حسين للفلسطينيّين في الأردن، وغيرها الكثير.

لكن في واقع الأمر، ليست هذه سوى أسطورة. حيث أنه وفي المقابل تُجمع الأدبيّات الكثيرة في مجال العنف السياسيّ، وبشكل واضح لا يقبل الشكّ، أنّه كلّما زاد انتهاك وسلب حقوق مجتمع ما، اتّسع نطاق عنفه وارهابه السياسيّ. وهذا ادعاء صحيح إلى حد ما، لأنّ الأنظمة التي تمارس القمع الشموليّ (ككوريا الشماليّة مثلا) تمتاز بهامش عنف سياسيّ- إرهاب أضيق.

تتعرّض الأنظمة التي تقع في الوسط، وأعني هنا تلك التي لم تتحول بعد لحكم استبدادي ودموي، إلى الإرهاب والعنف السياسيّ بنسب عالية جدًا, يعود ذلك ألى كونها قمعيّة لدرجة كافية لتولّد ثورة عنيفة ضدها، لكنّها وبنفس الوقت غير كافية لإخمادها.

مع ذلك، لا ينجح القمع الشموليّ في مكافحة العنف السياسيّ والإرهاب. أولًا، لأنه ما زال يعاني من نسبة عنف أعلى من الدول التي تقع على رأس سلم الديمقراطيّة وحماية حقوق الإنسان. ثانيًا، قد تؤدّى مواجهات العنف  الفاشلة إلى اشتعال شامل، قد يقود لإسقاط  هذه الأنظمة أو لسفك دماء مأساويّ (سوريا أفضل مثال على ذلك). 

كذلك، تقمع الأنظمة الشموليّة كلّ السكّان وليس فقط معارضيها، كما يقوم المجتمع الدوليّ، عمومًا، بحظرها وبفرض العقوبات القاسية عليها. أي حتّى لو غضضنا الطرف عن المستوى الأخلاقيّ، وقمنا فقط بحساب الربح والخسارة، فسنجد أن استعمال القمع الشموليّ غير مجد.

يبقى السؤال المطروح، ما هي الطريقة الأنجع لمواجهة العنف السياسيّ والإرهاب بعد اشتعالهما؟ تصوغ حالات الشيشان، سيريلانكا، الجزائر والأردن الخطاب في هذا الشأن بل وتعزّز أسطورة اليد الحديدية. إلّا أنّ حكايات تلك الدول أكثر تعقيدا من مجرد قمع أمنيّ، فهي تشمل، عمومًا، محاولات لتحسين حقوق الأقليات التي مارست العنف.

ففي حرب الشيشان الأولى مثلًا، تضرّرت روسيا كثيرًا بسبب ممارسة القوة العسكريّة العشوائيّة، بالمقابل حازت الشيشان على عدّة سنوات من الحكم الذاتيّ فعليًا. أمّا في الحرب الثانية فقد تمكّنت روسيا من إيجاد حلفاء لها في الشيشان، حيث قام المتمرّدون السابقون بزعامة أحمد قديروف، ثمّ ابنه رمزان من بعده، بتجنيد واستخدام ميليشيات محليّة ضد المتمردّين الجهاديّين. حصل الإثنان مقابل هذه الخدمات لاحقا على حكم ذاتيّ منحته روسيا وأثار حسد بعض الأقليات في الغرب. شمل هذا الحكم، تشريعات إسلاميّة تناقض القانون الروسيّ، سياسة خارجيّة مستقلة فعليًا، واستقلالًا أمنيًّا معيّنًا. بل تبجّح قديروف أنّ قوّاته ستطلق النارعلى أفراد الشرطة الروس إذا ما قاموا بعمليات معينة ضمن منطقة نفوذه بعد انسحابهم ودون التنسيق معه أولا. ربما تم استبدال القمع الروسيّ في الشيشان بقمع عائلة قديروف، لكن الديناميكيّة الداخليّة مختلفة من جوانب عدة.

أما في سيريلانكا فقد كانت هناك معادلة جمعت بين الحفاظ على منظومة حقوق أساسية معقولة للأقليّة التاميليّة، وبين السماح بنشاط  ذراع حركة نمور التاميل السياسي (على الرغم من اعتبارها منظّمة إرهابيّة). حيث تم  تحسين حقوق الفرد، بل ومنح حقوق جماعيّة للأقليّة على شكل حكم ذاتيّ إقليميّ بإطار فيدراليّ، وإنشاء لجان الحقيقة والمصالحة كما حصل في جنوب أفريقيا. تم تفعيل كلّ هذه الأدوات إلى جانب الحملة العسكريّة العنيفة ضد نمور التاميل، التي شملت قصفًا عشوائيًا ضد مواطنين عُزل.

حتّى في حالة الحرب الأهليّة في الجزائر، كان لقانون العفوعن الناشطين العسكريّين في المنظّمات المهزومة دورهام بتقليص هجمات المنظمات الإسلاميّة السريّة. في واقع الأمر، كان هناك عفو ومسامحة للعناصر التي كانت مسؤولة عن القتل الوحشيّ لجنود، أفراد شرطة وحتّى لمواطنين عُزل.

صحيح أنّ مواجهة الملك حسين في اللحظة الحاسمة للمنظّمات الفلسطينيّة المسلّحة كانت عنيفة، بالذات في الأسابيع التي دارت فيها رحى الحرب الأهليّة. لكنّ الأزمة استمرت ثلاث سنوات متتالية على الأقل، اتّبع فيها الملك في أغلب الأحيان، تصالحًا ملفتًا للنظر مع تلك المنظّمات الأمر الذي أثارانتقادات المؤسّسة العسكريّة- الأمنيّة ضده آنذاك. ببساطة لأن هذه الحرب الأهليّة كانت عبارة عن "انقلاب" داخليّ ضد سياسة الملك.

القاعدة واضحة إذن، إن استعمال آلية اليد الحديدية أو القمع، ليست الوسيلة الأنجع  لمكافحة العنف السياسيّ والإرهاب. كما ومن المهم أن نتتذكّر ذلك، كي لا نكرس أساطيرا تضر في نهاية الأمر بحقوق الإنسان وأمنه.

ياريف موهار زميل بحث في منتدى التفكير الإقليميّ

למאמר בעברית: מיתוס היד החזקה על שולחן הניתוחים

للانضمام لمجموعة الساحة على الفيس بوك

תגובות

משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ