لماذا يتعلّم الفلسطينيّون العبريّة؟

אנשים ממתינים מחוץ למשרד הפנים בוואדי ג'וז, מזרח ירושלים
נע'ם אבו - ליל
נע'ם אבו - ליל

למאמר בעברית: למה פלסטינים לומדים עברית?

خلال مقابلات قمت بإجرائها من أجل تحضير تقرير تحت عنوان "القدس بالعبريّة" لمجلّة "دولة القدس" الخريف المنصرم، تحدّثت مع شخصيّة قياديّة في المجتمع الفلسطينيّ في القدس. عملت هذه الشخصيّة في السابق في مركز تشغيليّ في شارع هيليل في مركز المدينة. أخبرتني هذه الشخصيّة إنّ عدة نساء من القدس الشرقيّة كنّ قد توجّهن إلى المركز التشغيليّ قبل سبع سنوات تقريبًا طلبا للعمل، وأنّ شخصا معيّنا في المكتب قام بمعالجة طلبهنّ ووعدهن بعمل في مجال التنظيف،. لكن مع الأسف وجدت هذه النساء نفسها في أوّل يوم عمل بشقّة بملكيّة خاصّة في مدينة تل أبيب، حيث كان متوقّعا منهنّ العمل في أقدم مهنة في التاريخ.

على الرغم من كون هذه الحادثة متطرّفة جدًّا، إلا أنّ عدم معرفة اللغة هي نقطة ضعف تأخذ العديدات منّا إلى أمكنة وتجارب لا نرغب بها، كما وتحدّ من حريّة تنقّلنا واستقلاليتنا.

نشعر، كفلسطينيّات مقدسيّات، بالفجوة اللغويّة عند بحثنا عن عمل. فبحسب استطلاع قامت به بلديّة القدس عام 2016، يتم تشغيل حواليّ 80% من سكّان القدس الشرقيّة العرب الذين يتحدّثون العبريّة بمستوى عالٍ. من جهة أخرى، لا ينخرط 93% من المواطنين العرب الذين لا يتحدّثون اللغة العبريّة في سوق العمل. أي، وبكلمات أخرى، مَن تتحدّث اللغة العبريّة منا تحصل على عمل، ومن لا تتحدث نادرًا ما تجد عملاً.

تمّ إنشاء العشرات من مدارس تعليم اللّغة العبريّة في السنوات الأخيرة، وارتفع عدد متعلّمي اللّغة العبريّة بشكلٍ كبيرٍ. وهو أمر جديد نسبيًّا على المجتمع المقدسي. نقطة التحول كانت بناء جدار الفصل، الذي شُرع ببنائه في شهر حزيران من عام 2002. حيث بدأ بسببه العديد من المقدسيّين بالتوجه إلى القدس الغربيّة بدلاً من الضفّة الغربيّة بحثًا عن عمل، وذلك لأن الوصول إلى الضفّة بات أكثر صعوبة، بالمقابل كانت إمكانيّات الكسب في القدس الغربيّة أعلى بكثير. لهذه الأسباب، أيضًا، تختار العديد من النساء الفلسطينيّات في القدس التعلّم في مؤسّسات أكاديميّة إسرائيليّة.

إن قضيّة التمكّن من اللّغة العبريّة هي قضيّة معقّدة جدا. من جهة، يُطرح السؤال العمليّ: كيف تتعلّم العبريّة؟ وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ تعليم اللّغة العبريّة في القدس الشرقيّة ليس بالمستوى الذي يتيح لسكّان القدس الشرقيّة العمل في غربيّ المدينة، بل أنّه حتّى لا يتيح للبعض إجراء محادثة بسيطة، ممّ أدّي بالعديد من الأشخاص الذين أعرفهم إلى العمل كنادلين في المطاعم، رغم انهم حملة ألقاب جامعيّة، كل ذلك لأنّهم لا يجيدون التحدّث بالعبريّة.

بعد سنوات من الإهمال وغياب الأستثمار، هناك محاولات جديدة للتعامل مع هذا التحدّي. حيث صدر في شهر أيار من عام 2018 قرار حكوميّ حمل الرقم 3790، هدف هذا القرار إلى تقليص الفجوات الاجتماعيّة- الاقتصاديّة وإلى المبادرة إلى تطوير القدس الشرقيّة اقتصاديا. تم تخصيص جزء كبير من ميزانيّة هذا القرار لتعليم اللّغة العبريّة. أنوه، إلى أنه لا وجود لأي دراسة أو تقرير ناقد يتطرق إلى مستوى نجاعة هذه البرامج التعليميّة حتى الآن من قبل السلطات المسؤولة. لكن، وبحسب عوامل ميدانيّة وبحسب شهادات عشرات الأشخاص ممن تحدثت إليهم، لا يمكن اعتبار هذه البرامج ناجحة، كما ولا يتعدى التطرق للموضوع إلى أبعد من المدارس.

من جهة أخرى، يُطرح سؤال هام وعميق حول مفهوم  وجدوى تعلّم اللّغة العبريّة. فاللّغة هي جزء مركزيّ من معادلة القوة، والتمكّن من اللّغة يغيّر علاقات القوّة، ولكن السؤال، كيف؟

عدد النساء اللاتي يتعلّمن في مؤسّسات إسرائيليّة ويعملن في غربيّ المدينة آخذ بالازدياد، ممّا يتناقض مع مبادئ المقاومة الفلسطينيّة التي ترفض الاعتراف بدولة إسرائيل بل وتنادي بمقاطعتها. قابلت بِن أفراهامي، والذي عمل مستشارًا لشؤون العرب تحت إمرة نير بركات، رئيس بلديّة القدس سابقًا. صرح أفراهامي مرة قائلا: "نحن نتطلّع إلى سيرورة يتحوّل من خلالها "عرب الـ67" في القدس الشرقيّة إلى "عرب الـ48"".

بمعنى أن نتأسرل. يشير هذا المصطلح إلى سيرورة عميقة وواسعة جدًّا ستؤدّي برأيي في نهاية المطاف، إلى زيادة رفاهيّة العرب في القدس. ولكنّها بدون أدنى شك ستؤدّي إلى توسيع القطيعة بين الفلسطينيّين المقدسيّين، وبين اخوتهم بالضفة الضفّة، وستؤدّي لاحقًّا إلى تقطيع أوصال الحيّز المقدسيّ ونسيج الحياة العربيّ المحليّ. ستؤدّي هذه السيرورة أيضًا إلى تعزيز نهج "فرّق تسُد" الإسرائيليّ، أيّ تجذير سياسة التشكيل الهويّاتيّ الذي تحاول إسرائيل خلقه بشكل مصطنع داخل المجتمع الفلسطينيّ للسيطرة عليه.

لا يفصل جدار الفصل بين العرب واليهود، وإنمّا يفصل العرب عن العرب. خلق الجدار حدودًا حقيقيّة بين المقدسيّين الذين يعيشون داخل الجدار، وبين المقدسيّين الذين يعيشون خارجه، ولكنّه خلق بالأساس حدودًا مفاهيميّة ستؤدّي إلى وعي مقدسيّ مختلف، يختلف عن وعي "عرب الـ 67" وسكّان الضفّة، بل ويختلف أيضًا عن وعي "عرب الـ 48".

لا ننسى أبدًا القضيّة السياسيّة، ولكن يجب أن ننظر أحيانًا إلى الصورة الكاملة. زرت أختي في مستشفى هداسا عين كارم في شهر آذار 2010، وكانت آنذاك في الرابعة من عمرها. لاحظت قلقًا وحزنًا لم أفهمه على وجه والديّ. تذرعت بحجّة للتجوّل في القسم وحدي آملة أن أجد لافتة أو شخصا يدلني على القسم الذي تواجدنا فيه، وعن الأمراض التي يعاني منه الأولاد الماكثين هناك. ولكن، كلّ اللافتات  كانت باللّغة العبريّة، ولذلك لم أعرف وقتها أنّ أختي تعاني من سرطان الدمّ. حاول والديّ خلال فترة علاج اختي، والتي امتدت على مدار عامين، إخفاء معلومات  سمعاها من الأطبّاء الإسرائيليّين عني. وعليه، كان الحل الوحيد أمامي هو تعلّم اللّغة العبريّة.

ورغم كل الألم والتعقيد الذي رافق الأمر، فها نحن نتوجّه مطالبين تعلّم العبريّة. تعتقد إسرائيل أنّها وبهذا الشكل، ستستطيع تغيير هويّتنا، ولكنّ ذلك يمنحنا القوّة ويجعلنا أكثر وحدة.

למאמר בעברית: למה פלסטינים לומדים עברית

للانضمام لمجموعة الساحة على الفيس بوك

תגובות