وراء سياج الجيتو

تدلّ الوثائق الأرشيفية الخاضعة لرقابة الدولة على أنّنا نعرف القليل عن المناطق المُسيجة التي خُصّصت للفلسطينيين بعد حرب عام 1948، وقد سمّاها البعض بـ "معسكرات تركيز"

שתפו כתבה במיילשתפו כתבה במייל
שתפו כתבה במיילשתפו כתבה במייל
מעבר לטוקבקים
גדר תיל ביפו
אדם רז - צרובה
אדם רז

למאמר בעברית: מאחורי גדרות תיל, מופרדים משכניהם: כשערביי ישראל הוחזקו בגטאות

ربما أصبح الحجر وحظر التجوّل اللذين فُرضا علينا خلال أزمة الكورونا ذكرى بعيدة، ولكن القلة القليلة تعرف أنّ هذا الواقع كان وما زال نصيب العديد من المواطنين الفلسطينين في إسرائيل. وفي السابق، سارت الأمور بشكل أكثر تعسّفًا، بحيث استخدم سياج شائك ورسّمت حدود مناطق سميت بالغيتوهات ومعسكرات التركيز.

بدأ حظر التجوّل وتطويق السكان العرب فور احتلال المدن المختلطة والمدن العربية في حرب عام 1948. وفي أعقاب المعارك، وقع آلاف السكان العرب تحت السيطرة الإسرائيلية. لم يشارك معظم السكان العرب في البلاد بشكل فعال في الحرب، وأولئك الذين ظلوا في المدن كانوا جزءًا صغيرًا من مجموعة مهزومة، ضعيفة، خائفة  تفتقر لقيادة. الأشهر الطويلة  التي تلت احتلال المدن، كانت بمثابة اختبار مصغّر لمستقبل علاقات الشعبين الذين تقاسما البلاد. لم يبق في مدينة حيفا، التي احتلت في ربيع عام 1938، أكثر من 3500 عربي من أصل 70 ألف. عاش في مدينة يافا، التي احتلت في 13 أيار، عدد مماثل من العرب، ولكنه انخفض إلى 4500. في مدينتيّ الرملة واللد، اللتين احتلتا في تموز من العام 1948، عاش 35000 عربي، انخفض عددهم بعد الاحتلال إلى 2000. لكن لم يبق في مدن مُحتلة أخرى كطبريا، صفد، بيسان أو بئر السبع أي عربي. وجد غالبية العرب في اسرائيل أي (نحو %85) أنفسهم وخلال فترة وجيزة، وعددهم يقارب الـ 160 ألف نسمة، تحت حكم عسكري، حيث خضعوا لحظر تجوّل ولنظام قائم على تصاريح التنقّل.

تتجلى أهم التوثيقات والتي تعود إلى تلك الفترة بمئات الملفات التابعة لوزارة الأقليات، التي وقف على رأسها آنذاك الوزير بيخور شالوم شطريت. تم إغلاق الوزارة  منتصف عام 1949، بعد أن عملت جاهدةً، تحت قيود صارمة، على تحسين أوضاع العرب الذين ظلوا في البلاد. كانت وما زالت هناك توثيقات مهمة في أرشيف الدولة وأرشيف الجيش الإسرائيلي لم تتم إتاحتها للجمهور بعد. في شهادات ووثاثق أخرى اتيحت للجهمورلاحقا، نلحظ أحيانًا محاولات متكررة لإخفاء وغربلة مختلف التعابير والتصريحات التي قد يكون وقعها على الأذن اليهودية تحديدًا نشازا. لم تكن محاولات التستّر هذه متعلقة بقضايا أمنية، بل كانت خاضعة لرقابة ذات طابع غراض دعائي بحت. 

השוואה בין העותק המקורי לעותק המצונזר השמור בארכיון המדינה. אמירתו של מכנס על החזקת הערבים ב"מחנות ריכוז" נמחקה בקו שחור

 ورد أحد الأمثلة الصارخة لمحاولات التستّر هذه، في محضر جلسة اللجنة الوزارية لشؤون أملاك الغائبين، التي عُقدت في كانون الأول 1948. أثناء الجلسة، التي ناقش فيها الوزراء قضية تركيز سكان مدينة اللد العرب في أحياء خاصّة بهدف توطين السكان اليهود الجدد، قال مدير عام وزارة الأقليات غاد ميكانيس: "أعتقد أنّ حصر السكان العرب في معسكرات تركيز لم يعد مبررًا". شُطبت هذه الجملة لاحقا لاعتبارات رقابيّة، من قبل أرشيف الدولة في الملف التي حفظت فيه محاضر جلسات اللجنة. كان مفاد نهج التستر هذا، أن لا حق للمواطنين العرب في دولة إسرائيل بمعرفة ماضيهم.

يكشف تتبّع مصير سكان المدن المحتلة الستارعن نمط مشابه، فقد أقيمت فيها غيتوهات. كان من الصعب حينها تقبّل كلمة "غيتو". وعليه يدلّ عنوان أحد ملفات أرشيف الدولة الذي استخدم هذه الكلمة شديدة الحساسية، على محاولة لإيجاد بديل معقول: "نقل العرب إلى منطقة أمنية (إلى غيتو)".

تم اتباع هذا النهج في كل مرة اتخذ فيه قرار نقل السكان العرب من مكان لآخر. في زيارته إلى مدينة حيفا بعد احتلالها، أمرَ رئيس الوزراء دافيد بين غوريون بتركيز العرب في وادي النسناس (المسيحيين) وفي وادي الصليب (المسلمين)، أعطي العرب مهلة للانتقال إلى منطقة سكناهم الجديدة حتى مطلع شهر تموز من ذلك العام. شهد يوسيف فيشيتس، عضو مبام ومن رؤساء القسم العربي في الحزب، على مجريات الأمور في حيفا في تلك الفترة، وتحدّث عن حالة الفوضى التي عمّت في أعقاب القرار، بالذات على ضوء عدم استطاعة الجهات المسؤولة الحفاظ على الممتلكات نظيقة وممدودة بالكهرباء والماء. أشار نشطاء يساريون عرب أن هذه العملية كانت عنصرية لا عسكرية، وأن هدفها كان إنشاء غيتو عربي في مدينة حيفا". اعترض فيشيتس بشدة على تركيز العرب في مجمّعات سكنية مُسيجة، وكتب أنّ "هذا التركيز هو أهم عملية تمّت بحق السكان العرب في دولة إسرائيل. وتابع ستحدد هذه العملية لاحقا مصير ديمقراطية دولة اسرائيل، فإما تصبح دولة ديموقراطية وإما تكن إقطاعية تقوم على ممارسات تعود للعصور الوسطى وتخضع لقوانين تشبه قوانين نورمبرغ". وبالفعل، مُنع العرب من السكن حيثما شاؤوا، وتم تركيزهم في وادي النسناس.

כותרת התיק בארכיון המדינה

في يافا أيضًا، تقرر نقل مساكن العرب إلى مكان آخر. "يُستحسن أن تكون هناك مناطق مخصصة لليهود وأخرى مخصصة للعرب"، هذا ما قاله الحاكم العسكري ميئير لنيادو لأعضاء اللجنة العربية في المدينة في تموز عام 1948. احتج موشيه آرام، مدير قسم معالجة وتسوية العلاقات الحسنة في وزراة الأقليات أمام وزير الأقليات شطريت على تركيز العرب في العجمي، المحاط من جهاته الأربع بأحياء يهودية. كما وأشار إلى انعدام أي خطر أمني يتربص بالمدينة ومحيطها. لكن ومع ذلك تابع، "سيتم تطويق حي العجمي بسياج شائك يفصل الحي العربي عن المُجمع السكني اليهودي. سيحول هذا الإجراء العجمي إلى غيتو مغلق. يصعب تقبّل هذه الفكرة التي تثير لدينا تداعيات بغيضة". اعتقد آرام كقرينه فيشيتس، أنّ إنشاء الغيتو سيقود للتالي : "ها نحن نزرع مجددًا بذورًا سامّة... في قلوب السكان العرب. غيتو مُسيج بسياج  شائك يحول دون وصولهم إلى البحر. هل هذا نهجنا السياسي"؟

في أحد الكتب التي تناولت بعمق حرب عام 1948، الاستقلال والنكبة، كتب المؤرّخ يوآف غيلبر التالي: " تم إلغاء فكرة تطويق الحي العربي في يافا، ولكن هذا لم يكن صحيحا. حيث كتب الحاكم العسكري ميئير لنيادو: "أفكر بالتقليل من الأسلاك الشائكة وتوسيع نطاق حرية التنقل للسكان العرب، كي لا يشعروا بأنّهم في معسكر مغلق"- ولكن حي العجمي بقي مُسيجا لأشهر طويلة. كما وأفادت وزارة الأقليات في شهر شباط من العام 1949، في نضالها أمام السلطات العسكرية، بأنّها تسعى لاستصدار تصاريح للسكان العرب ليتمكنوا من "اجتياز السياج الشائك". 

وأفاد أحد سكان المدينة، إسماعيل أبو شحادة، بما يلي: "قاموا بتطويقنا بسياج شائك وأبقوا فقط ثلاثة مداخل. سمحوا لنا بالخروج من المنطقة للعمل فقط، في إحدى البيارات المحيطة بالمدينة. لكن وللقيام بذلك، كان علينا الحصول على موافقة من المشغّل". تم التستّر على هذا الأمر أيضا، ولكن في محادثات أجريت خلف بعض الأبواب المغلقة، ادّعى موشيه تشيزيك، الحاكم العسري السابق للنيادو، أنّ إسرائيل تخرق شروط الاستسلام، التي تعهّدت من خلالها بمنح الفلسطينيين حرية التنقل في المدينة.

في اللد أيضًا، تم تركيز السكان وإخضاعم لحظر تجوّل. يقول سكان الرملة العرب أنّه وفي إحدى المرات تم توقيف مسنّين، نساء، فتية وأطفال لمدّة 8 ساعات تحت أشعة الشمس الحارقة، بدون ماء وغذاء، ودون أي مبرر سوى الرغبة بتحقيرهم، إهانتهم والتنكيل بهم". طالبت وزارة الأقليات السلطات العسكرية هذه المرة أيضًا بإزالة السياج الشائك المحيط بالمناطق السكنية العربية في اللد. لكن تم تنفيذ هذا لاالمطلب فقط في شهر تموز وعند الإعلان عن إنتهاء الحكم العسكري، حظي حينها السكان بحرية التنقل، لكن أميال الأسلاك الشائكة ظلت في مكانها.

تصف وثيقة أرشيفية أخرى أنماط إغلاق مشابهة لأحياء قطنها سكان عرب في مدن أخرى، كالمجدل وعكا. أفاد الوزير شطريت بأنّه " يعارض بشدة إنشاء غيتوهات للأقليات"، وفي رسالة بعث بها إلى مجلس الوزراء في منتصف عام 1948، أشار إلى أنّ علاقاتنا مع العرب "مضطربة وواهية" وطالب بـ "رسم خط واضح لـحقوق مدنية متساوية"، كي لا ينقلب السحر على الساحر. لا تزال أقواله هذه صحيحة حتى يومنا هذا.

الكاتب باحث في معهد عكيفوت

למאמר בעברית: מאחורי גדרות תיל, מופרדים משכניהם: כשערביי ישראל הוחזקו בגטאות

للانضمام لمجموعة الساحة على الفيس بوك

תגובות

הזינו שם שיוצג באתר
משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ