درويش يجب أن يموت

أثار الحديث عن وجود ابنة لمحمود درويش من سيدة متزوجة عاصفة هوجاء، خرجت كتائب من الرجال للدفاع عن كرامة شاعر الأرض، مؤكّدين بذلك أنّ الرواية الفلسطينية، التي بلورها درويش، قائمة على إخراس صوت النساء

שתפו כתבה במיילשתפו כתבה במייל
שתפו כתבה במיילשתפו כתבה במייל
מעבר לטוקבקים
מחמוד דרוויש
ראג'אא נאטור
ראג'אא נאטור

למאמר בעברית: הכבוד של מחמוד דרוויש משתיק את קולן של הנשים הפלסטיניות

أعترف أنّني انتظرت هذه اللحظة بفارغ الصبر. مدمنةٌ أنا على ذبح الأبقار المقدسة على جميع أنواعها وأنتماءاتها، أصنافها وألوانها. لطالما أردت ذبح محمود درويش، شاعر الأرض الفلسطيني، الأسطورة، الإله، القديس، الحصين لكل نقد، سواء كان سياسيًا أم أدبيًا. أذكر جيدًا اللحظة الأولى التي تعرفت بها إلى درويش. كنت فتاة يافعة عندما تناولت من مكتبة والدي كتابًا ظهر على غلافه وجه رجل وسيم مع نظارة، لم أعرفه من قبل. قرأت العنوان "حصار لمدائح البحر"، لم أفهم شيئًا، حاولت أن أقرأ بضعة نصوص الديوان، ولكن الإحباط كاد يخنقني.

لم تكن لدي حينها لا الأدوات ولا المعرفة اللازمة لنقد درويش موضوعيا، ولكن الفرصة التي انتظرتها منذ سنين جائتني هذا الشهر. في السادس من حزيران، نشر سليم بركات، وهو شاعر سوري معروف وذو رصيد أدبي مرموق، نصًا أوتوبيوغرافيًا- أدبيًا في صحيفة "القدس العربي"، تحدث فيه عن الصداقة الرائعة وطويلة الأمد التي جمعته بدرويش. ولكن وفي نهاية النص، كشف عن معلومة صغيرة وهامشية: ادّعى أنّ لدرويش ابنة غير شرعية من مغامرة ليلية عابرة مع سيدة متزوجة.

بدا وأنّ كارثة قد حلّت، ضجّت الصحافة العربية بتعقيبات وردود أفعال كثيرة، شعر الجميع بوجوب الدفاع عن كرامة، خصوصية ومكانة درويش الأدبية- الثقافية ضد صديق طعنه في ظهره. أثمر الكم الهائل من النصوص عن بضعة نصوص شيقة، ولكنه لم يثمر عن أي خطاب ثقافي مركّب حاد عن تخوين وهدر دم بركات.

كالعادة، كُتبت معظم هذه النصوص بأقلام رجالية. جيش درويشي مخلص وأعمى، دأب على التلميع والترافع المُمنهج عن "كبوة" الشاعرالأخلاقية. كانت هذه النصوص سطحية، ضحلة وشعاراتية. ولكن ما كان مُستفزا، أنّ غالبية هذه النصوص لم تتناول المضمون الثقافي الذي استعرضه بركات في مقالته، بل ووصل بهم الأمر إلى إلغاء وتقزيم قصائده ومؤلفاته. لم يشفع لبركات خمسون كتابًا، عشرات النصوص النثرية ومساهمته الغنية للشعر العربي- فكلها شُطبت في لحظة.  قاد هذا الطقس الدرويشي المتوقع، إلى إعدام غوغائي شخصي وثقافي لبركات.

لم أصادف سوى تعقيب واحد شيق وواضح: وهو للشاعر الأردني الفلسطيني موسى حوامدة، الذي ادّعى أنّ درويش اعتاد أن يستخدم بذكاء شديد شعر شعراء آخرين من معاصريه العرب وغير العرب. جزم حوامدة أيضًا أن درويش سرق نصوصًا توراتية كاملة، واختتم بالقول إنّ خبز درويش مليء بدقيق الآخرين.

لم يكن بركات أول الأدباء العرب الذين يكشفون أسرارًا شخصية لكتاب ومبدعين آخرين. فقد سبقته الأديبة السورية غادة السمان والأديب المصري رجاء النقاش. نشرت غادة السمان رسائل بعثها لها غسان كنفاني، وتعرضت حينها لموجة من النقد بسبب كشفها عن جزء حميمي من حياة شخصية أسطورية فلسطينية رجالية أخرى. بالمقابل، نشر النقاش رسائل الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان للمصري أنور المعداوي، دون أن يتعرض للنقد بسبب الكشف عن أسرار طوقان.

كما ترون لا شيء يمكن أن يهزم أو ينافس الرواية الفلسطينية! كلّ محاولة لتقويضها، زعزعتها شرخها سيكلف غاليًا: الثمن إخراس وإلغاء شخصي وثقافي. بالنسبة لكتّاب وأدباء كثيرين، مع أنّهم لم يعترفوا بذلك جهرًا، فإنّ بركات لم ينتهك خصوصية درويش ويكشف عن سر شخصي و"مخجل" فحسب، بل انتهك ودنّس أيضًا جوهر القضية الفلسطينية الطاهرة المقدسة.

ولأنّ درويش قام بدوره القومي على أكمل وجه، أي "زوّد البضاعة" القومية النقية، كتب وترافع ومثّل الرواية الفلسطينية المُسلّم بها. ساهم الحيز اللغوي الذي خلقته نصوصه التي تناولت الوطن، فقدانه، اللجوء والسلب في بلورة وعي ونشاط كثير من الفلسطينيين. الأمر الذي حوّل درويش، عن وعي أو دون وعي، إلى الرواية الفلسطينية  ذاتها وإلى فلسطين المفقودة. لذلك، يُعد هذا التدنيس، من منظور العديد من الفلسطينيين، تقويض خطير للرواية الفلسطينية. لقد أمسى درويش أشبه بالمسيح الفلسطيني. لا أحسده على ذلك، لا أرغب بحمل هذا الصليب الفلسطيني القومي- الضحل الذي لا صدوع، توترات وتساؤلات فيه ولا يطرح أهم سؤال: ماذا يعني أن تكون فلسطينيا اليوم؟

لقد رسخ درويش بشكل ممنهج رواية فلسطينية ذكورية- ضحوية ولم يحاول في أي مرحلة من مسيرته الأدبية مواجهة الجوانب المُخيفة، البشعة، المُربكة والقامعة لهذه الهوية. لست بصدد إنكار الهوية الضحوية الجماعية الفلسطينية وشرعيتها، ولكنها لا يجب أن تكون الجوهر والهدف.  يتوجّب علينا، نحن كفلسطينيين وكفلسطينيات، طرح أسئلة سياسية وثقافية وأخرى تتعلق بهويتنا بمعزلٍ عن درويش وأصدقائه الشعراء الرجال، الذين ما زالوا يعتقدون أنّ الرواية الفلسطينية تُختزل بالقومية، الذكورية والضحوية.

لماذا يجب أن تكون الإجابة الوحيدة للرجولة الفلسطينية على سؤال النكبة الفلسطينية التاريخية وعلى سؤال الأنوثة الفلسطينية هي الضحوية بمفهومها الكلاسيكي دون أي تساؤلات واعتراض؟ إليكم الإجابة، لأنّ الضحوية هي التعويض الوحيد عن البطولة التي خسروها كرجال. هذه البطولة ليست لغتنا السياسية كنساء فلسطينيات.

أتاح تأليه درويش له المجال، على المستوى الأدبي-الثقافي، التحكّم بالرواية بالفلسطينية بل وفَرْض شكلها، مُحتواها وحدودها بشكل غير قابل للنقض تقريبًا. وبهذا لم تتبلور رواية فلسطينية قومية فحسب، إنّما رواية فلسطينية قومية ذكورية، أقصت بشكل تلقائي روايات نسائية شعرية، ثقافية وسياسية. غيبت هذه الرواية التاريخية- السياسية حضور وذاكرة وصوت النساء الفلسطينيات. وعليه، فإنّ الرواية الثقافية- الشعرية الذكورية التي بلورها درويش ما هي إلا انعكاس واستمرارية للرواية السياسية الفلسطينية الذكورية السائدة في الساحة السياسية حتى اليوم.

نعم، إنّ قصة النكبة هي قصة ذكورية خالية من أي مضمون، تحليل وتأويل نسائي فلسطيني. لقد سلبنا الرجال الفلسطينيون الرواية ليس فقط بواسطة إخراسنا، إقصائنا ومحو قصص أمهاتنا الفلسطينيات، بل بواسطة الموت أيضًا تعظيمه وتمجيده، بواسطة "الشهادة". فليرني وجهه القادر والقادرة على تحدي هذا الخطاب؟ لذلك، اعتقد أنّ الهجوم على بركات هو محاولة  لترسيخ الرواية الفلسطينية القومية الذكورية بواسطة الدفاع الأعمى، المُصطنع والسطحي عن كرامة درويش. إنّها محاولة لترسيخ خطاب البطولة الذكوري.

لقد وجب أن تكون هذه "الفضيحة الصغيرة" فرصة لخلق نقاش عميق، معاصر ونقدي لأعمال درويش. هل فاتتنا هذه الفرصة؟ ربما، ولكن كي ننتقد درويش موضوعيا، فإنّ على درويش الإله  أن يموت، ويحل محله درويش الشاعر الفاني.

* هذا نص مختصر للنسخة بالعبرية.

למאמר בעברית: הכבוד של מחמוד דרוויש משתיק את קולן של הנשים הפלסטיניות

للانضمام لمجموعة الساحة على الفيس بوك

תגובות

הזינו שם שיוצג באתר
משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ