الراهب الذي شكّل جسرًا بين الشعبين

יוחנן אליחי
סוהא טוויל קאדרי
סוהא טוויל קאדרי

למאמר בעברית: הנזיר שגישר בין שני העמים

رحل عنا مؤخرًا يوحنان أليحاي، عن عمر يناهزالـ 94 عامًا. ألف إليحاي سلسلة كتب تعليم العربية المَحكية والتي حملت عنوان "أن تتحدث العربية"، والمعاجم المرافقة للكتب.

 ينحدراللغويّ والمُعجميّ يوحنان أليحاي من أصول فرنسية، ترهبن في شبابه، وقدِم إلى إسرائيل عام 1956، حيث غير اسمه الأصلي  من "جان لوروا" إلى يوحنان أليحاي. وعلى مدار عقود، بحث في اللغة العربية الفلسطينية المَحكية، وقام بكل ما في وسعه لتوظيف المعرفة التي اكتسبها من أجل التقريب بين شعبي هذه البلاد. فاز في العام الماضي بجائزة يغآل ألون عن نشاطه المجتمعي- الطلائعي.

كُتب تعليم اللغة العربية  التي ألفها إليحاي، معروفة لدى مُعلمي وطلاب اللغة العربية، هناك من يحبها وهناك من لا يحبها. مع ذلك، يتفق الجميع على شيء واحد: أن هذا الشخص الدَمث أحب اللغة العربية التي درسها، أحب الإنسانية وكان سخيا. يصاب كل مَن يعرفه بالدهشة بسبب معرفته الغنية والعميقة للغتين، العربية والعبرية. بالإضافة إلى موهبته الفطرية هذه، اتّسم إليحاي أيضًا بروح الدعابة. مع ذلك، تضمنت كتبه مضامين شوفينية كثيرة، وأعني هنا محادثاته التي سُجلت بين الأعوام 1965 و 1989- والتي كانت مع الأسف مُشبعة بالعنف على جميع الأصعدة.

حيث اقتصرت شخصيات كتبه على نساء ضعيفات، رجال شوفينيين، أطفال يتشاجرون ويضربون، وأهالٍ لا يقومون بأي دور تربوي. فمثلا في الكتاب الأول وفي صفحة 45، جاء ما يلي: "هل ضرب يوسف شقيقته مريم؟ كلا، فهي التي ضربته. سألتُها، لكنها ظلت صامتة. هذا دليل على أنّها مَن ضربته". في صفحة 46 كتب إليحاي: "لقد انتحر الجار لأنّ زوجته هجرته... سألتها لماذا تركتِ زوجك وأطفالك؟ صمتت (مرة أخرى، صمت الزوجة يدلّ على أنّها مذنبة)، يا له من رجل مسكين، ليرقد بسلام". ويكتب في الكتاب الثاني وفي صفحة 33، يغضب الزوج على زوجته لأنّها أخطأت الحساب، إنّها تخطئ دائمًا، وها هو يخسر أمواله بسببها. يعترف الرجل "السخي" بخطئه أمام الزوجة، فقد كان عليه التعبير عن غضبه بلباقة. في نهاية المطاف، يقدم لها باقة زهور، وينتهي الأمر.

لا أدّعي أنّ المجتمع الفلسطيني- اليوم أو بالسابق-  كان خاليا من الشوفينية والعنف. فأنا أيضًا أكتب لطلابي نصوصًا، أوجّه فيها نقدًا واضحًا لظاهرة الشوفينية، العنف، التمييز ضد النساء وضد مجتمع الميم وما إلى غير ذلك. لكن، ما أزعجني في هذه الكتاب كان غياب أصوات أخرى وآراء أخرى تمثل المجتمع العربي. وأعني، غياب شخصيات مؤثرة من المجتمع الفلسطيني والعربي بشكل عام، ناهيك عن غياب محادثات تحمل مضامين عميقة. لكني ومع ذلك، تجنّبت نقد إليحاي الإنسان، واعتقدت أن من الأفضل نقد فحوى محادثات الكتب، وأن عليًّ الفصل بين الكاتب وكتاباته.

حاولت أن أنسب شوفينيته للحقبة الزمنية التي عاشها، فلا يمكن الحكم على إنسان ينتمي للجيل القديم، بحسب أعراف الأجيال الجديدة. قد يكون ذلك صحيحًا، وقد تكون التربية التي تلقيتها السبب الذي يقف وراء صعوبة نقد شخص مُسن حسن النوايا خلال حياته. على أية حال، لا جدال حول مساهمته في زيادة عدد طلاب اللغة العربية المَحكية في البلاد.

تسنى لي في العقدين الأخيرين، وفي إطار عملي كمعلمة للغة العربية كلغة ثانية، أن ألتقي بأليحاي مرتين. دعوناه في المرة الأولى، لمحادثة مع طلاب العربية في مركز الحوار بين الثقافات. وفي المرة الثانية، التقيت به خلال وجبة غذاء نظمتها إحدى الطالبات لمناسبة صدور مُعجمه الأخير. شعرت بخيبة أمل في اللقاء الأول عندما طلب الحديث إلى الطلاب بالعبرية. حيث قال :"لا أشعر بأنّني قادر على تحدث العربية بسلاسة، كما في السابق". أقنعت نفسي بأنّ للسن دوره.  سألته بعد المحادثة، هل ما زلتَ على علاقة بأصدقائك الفلسطينيين، الذين قضىت برفقتهم سنوات طويلة في ماضيك البعيد في الجليل؟ عندما تلقيت إجابة سلبية، تجرأت وسألته، هل لديك أصدقاء عرب في مكان ما؟ ومرة أخرى، أحزنتني إجابته السلبية.

أزعجتني حقيقة، أنّ هذا الرجل الذي كرس حياته لجعل اللغة العربية مُتاحة لمتحدثي العبرية، لم يملك أصدقاء عربا. شعرت بأنّ إليحاي فهم قواعد اللعبة والموقف المتوقع منه في البلاد- لقد اختار طرفا واحدا وأعلن ولاءه  له. وكان على بعد آمن من الطرف الآخر.

تابعت مواقف أليحاي وسمعت نقده لمشروع الاستيطان، رأيه حول الاحتلال وحول اليسار الصهيوني، وانكشفت على حبّه الشديد لدولة إسرائيل. أزعجتني هذه المواقف، تعسّر لي تقبل هذا الحب غير المشروط  لشخص غريب، لا يمت  بصلة للنضال. كنت أود سماع صوت وموقف واضح يطالب بعدالة تاريخية، أردت أن يتنكّر للكيان المحتل ويعيد النظر بمحبته له، ولكن ذلك لم يحدث. أدرك الآن أنني أردته أن يختار طرفًا، طرفي أنا، الطرف الذي ما زال بالخلف.

أتساءل كيف كانت حياته في هذه البلاد الغريبة، كيف يمكن للإنسان أن يأخذ دوره في صراع بين شعبين غريبين؟ وما معنى أن تموت في بلاد ليست بلادك؟

في هذه اللحظات، وبعد الإعلان عن نبأ وفاته، امتلأ هاتفي برسائل من طلاب أرادوا مرافقته في لحظاته الأخيرة. الغريب في الأمر، أني كنت الملجأ الوحيد الذي عبروا من خلاله عن مشاعر الفقدان. لكني، شعرت أيضا بأني فقدته وأني أحتاج وداعه، رغم أني لم أعرفه شخصيا. كان عزائي، أنّ هذه البلاد الغريبة أحبته. الله يرحمه!

كاتبة المقالة هي معلمة للغة العربية في الجامعة العبرية وفي مركز الحوار بين الثقافات في القدس

למאמר בעברית: הנזיר שגישר בין שני העמים

للانضمام لمجموعة الساحة على الفيس بوك

תגובות