مسافر يطّا بأيدينا

يطا
موسى أبو هشاش

למאמא בעברית: מסאפר יטא בידינו

"الشّكر لله… مرّ يوم آخر ولم يرحّلونا" هذا ما قالته لي امرأة في الخمسين من عمرها، تسكن في أحد تجمّعات مسافر يطّا في تلال جنوب الخليل التي يُعرّفها الجيش الإسرائيلي كـ"منطقة إطلاق نار 918". عندما سألتها عن أحوالها وأحوال السكّان أجابت: "نحن معتادون على شظف العيش وقساوة الصّحراء، كما وتعوّدنا أيضاً على العيش بدون كهرباء وماء وعلى المشي مسافات طويلة. كما وأنّنا نحتمل حرّ الصّيف وبرد الشتاء تحت عرائشنا. لقد اعتدنا حياتَنا البسيطة على أرضنا وبين أغنامنا… لا ننسج أحلاماً كبيرة حول قصور، حدائق ألعاب وبرك سباحة لأولادنا. فأحلامنا متواضعة جدّاً، نريد العيش على أرضنا هانئي البال دون خوف وقلق".

هكذا وصفت المرأة التهديد الدّائم وعُمق الإحساس بالمؤقت الذي تعيشه، على أرض يُعتبر الوجود الفلسطيني عليها مخالفا للقانون. لخصّت هذه المرأة في حديثها عن راحة البال، جوهر ما سُلب منها ومن مئات السكّان الفلسطينيّين في الـ12 تجمّعاً سكانيا الواقعة في الصّحراء. فقد أعلنت إسرائيل أن منازلهم ومضاربهم "مناطق إطلاق نار"، لتهجيرهم منها. تحذر لافتات منصوبة في كل مكان - باللّغتين العربيّة والعبريّة - من أخطار المكوث في المنطقة وتمنع الدّخول إليها بزعم "الحفاظ على حياة السكّان".

لا تفتصر مساعي إسرائيل على سلب سكان التجمّعات الـ12 المذكورة أعلاه أرضهم وترحيلهم. فمن أجل الاستيلاء على المزيد من أراضي عشرات التجمّعات السكانية الواقعة في "مناطق C" بالضفّة الغربيّة بحسب اتّفاقية أوسلو الثانية - وهو تصنيف مؤقت- تلجأ إسرائيل إلى شتّى الحيَل والذّرائع. فمرة تتعامل مع هذه التجمعات السكانية على أنها "مناطق إطلاق نار"، ومرة  على أنها "مواقع أثريّة" أو تجمعات سكانية "غير مرخّصة". توطن هذه الممارسات في قلوب السكّان الخوف وتحول حياتهم إلى جحيم لا يُطاق، مما يدفعهم بالتالي إلى الرّحيل عن منازلهم. تُرسل إسرائيل جيشها ليقمع السكّان غير آبهة لا بمبادئ الأخلاق ولا بأحكام القانون الدولي، التي تلُزمها بحماية السكّان وتوفير الخدمات الأساسيّة لهم كالماء، الكهرباء، الشوارع بالإضافة إلى السماح لهم  ببناء منازل تؤويهم. يندرج هذا كله ضمن سياسة طويلة العهد تتّبعها إسرائيل، قوامها إنكار حقّ الفلسطينيّين بالعيش على أراضيهم حيث وُلدوا ونشأوا.

ستنتهي قريباً المعركة القضائيّة التي انطلقت قبل عشرين عاماً، وكان هدفها منع تهجير تجمّعات مسافر يطّا الـ12. صحيح، لم تستطع الدّولة تهجير السكّان خلال السنوات التي تلت تداول القضية، لكنها وعلى مدار عشرين عاما أذاقتهم المُر. حيث منعتهم من بناء منازل لأسرِهم وللأزواج الشابّة، كما ومنعتهم من توسيع حظائر أغنامهم وحتى من بناء مراحيض. 

كانت الغاية الحقيقية من وراء الإعلان عن هذه الأراضي بالذات كـ "مناطق إطلاق نار" بحسب وثائق رسمية كشفتها مؤسسة "عكفوت" مؤخرا، تهجير السكان عن أرضهم رغم تواجدهم عليها منذ عشرات السنين. لم يأخذ قضاة المحكمة العليا هذه الحقائق بعين الاعتبار، بل على العكس أشاحوا بأبصارَهم وصمّوا آذانهم عنها ورفضوا نقاشها. فضّل القضاة  عوضا عن ذلك الضغط على المُلتمسين للتوصل إلى "تسوية" تمكّن الدولة من الاستمرار بإجراء التدريبات العسكريّة في مناطق سكناهم. طالبت المحكمة المُلتمسين بالتفاوض مع مندوبي الدولة، على موعد عودة أو إخلاء السكان منازلهم " باختيارهم"،  كي يتمكّن جيش الاحتلال من  القيام بتدريباته العسكرية على أرضهم، بين منازلهم وبين قطعان مواشيهم.

أتساءل ما الذي سيحدث بعد إصدار القضاة لحكمهم وبعد استمرار الجيش القيام بتدريباته العسكرية؟ الجواب واضح، سوف يُطرد السكّان من منازلهم، ستستولي إسرائيل على المزيد من الأراضي وستوسّع حدودها أكثر وستوفّر هذه الدّولة للمستوطنين الحياة التي يبغونها. وأعني، حياة خالية من أي وجود للسكّان الأصليّين، فوجودهم مزعج! لن يسمع المستوطنون بعدُ ثغاء أغنام الفلسطينيّين، لن تصلهم رائحة طوابينهم ولن تتردّد اللّغة العربيّة في الأجواء. ليتحدث الفلسطينيون عربيتهم في مكان آخر! فقد استولينا على مسافر يطّا! لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن، وماذا بعد؟

الكاتب باحث ميدانيّ، بتسيلم

למאמא בעברית: מסאפר יטא בידינו

للانضمام لمجموعة الساحة على الفيس بوك

תגובות