أرخص من الحمار

נזיר מג'לי
נזיר מג'לי
מטה המשותפת בחירות 2020
נזיר מג'לי
נזיר מג'לי

למאמר בעברית: זול מחמור

انتشرت مؤخرا وعلى مواقع التواصل الاجتماعي باللغة العربية قصة طريفة، استُخرجت بخبث ودهاء واضحين من أرشيف تاريخ السياسة العربية القديم. يعود أصل القصة على حد علمي لمصادر سورية، بل وهناك من يدعي أنّها مصرية. انتشرت القصة في سبعينيات القرن الماضي في منطقتنا، خلال الفترة التي استاء فيها الناخبون العرب من ممثلي القوائم التابعة التي أنشأها حزب "مباي" للناخبين العرب آنذاك، للاستيلاء على أصواتهم خلال موسم الانتخابات.

جاء في القصة أنّ أحد مرشحي الانتخابات آنذاك، التقى وخلال تجواله بأحد الشوارع رجلا عجوزا بائسا يجلس على قارعة الطريق وحيدا، لم تخفِ ملامح البؤس طيبة قلب الرجل. وعليه، قال المرشح في نفسه: " هذا رجل "على نياته"، إذا ما مددت له يد العون سينتشر خبر مساعدتي له بكل أنحاء القرية". كان هذا الأسلوب الإنتخابي -الدعائي المتبع حينها، فلم يكن هناك وجود لوسائل التواصل الاجتماعي، كما ولم يهتم الناس بقراءة الإعلانات الإنتخابية، ناهيك أن بعضهم  كان أميّا أصلا.

اقترب المرشح من العجوز وسأله عن أحواله، وبعد السلام والترحيب سأله عن عائلته وعمله، وقدّم له خمسين ليرة مبلغ لم يكن بالقليل حينها. رفض الرجل العجوز أخذ المال، قبل أن يعرف  المقابل الذي ينبغي عليه تقديمه للمرشح لقاء هذا المبلغ. أجابه المرشح: " لا أخفي عليك، أنا أحد مرشحي قائمة تحمل اسم التقدّم والازدهار تخوض الانتخابات الحالية، وأريد بالمقابل أن تدلي أنت وأفراد عائلتك بأصواتكم لي في الانتخابات". رد عليه العجوز قائلا: " أفضل أن تعطيني صنارة أصطاد بها، بدلا من أن تعطيني سمكة"! أجاب المرشح ساخرا:" أتريد أن أفتح لك حانوتا مثلا"! "كلا. بل اشتر لي حمارا بالخمسين ليرة هذه" ردّ عليه العجوز. " لا وقت لدي"، أجابه المرشح محاولا التملّص.  فرد العجوز مجددا:"لن يستغرق الأمر وقتا طويلا. فاليوم الخميس، ونحن على مقربة من سوق الحمير".

قصد الرجلان سوق الحمير، وعند وصولهما المكان شرع المرشح بالبحث عن حمار رخيص. فسخر التّجار منه قائلين: "أنت تبحث عن حمار رخيص، لن ينفعك بشيء؟!". وعليه سأل المرشح عن سعر حمار نافع، فرد عليه أحد التّجار قائلا: "سيكلفك حمار رخيص خمسمائة ليرة على أقلّ تقدير!" عندها تراجع المرشّح عن رغبته بمساعدة العجوز وقال له: " لا تكن طمّاعا خذ الخمسين ليرة، فكل مع عليك فعله وعائلتك الإدلاء بأصواتكم بصندوق الإقتراع". ردّ عليه العجوز: "لم تستطع شراء حمار بخمسين ليرة، لكنك تود شرائي وعائلتي بمبلغ كهذا؟"!

تناقل كثيرون هذه القصة منذ الإعلان عن موعد انتخابات الكنيست، بالذات على ضوء الانقسام الذي حدث في صفوف القائمة المشتركة ونية عضو الكنيست منصور عباس التعاون مع نتنياهو مقابل الحصول على ميزانيات ضخمة تُكرس للمجتمع العربي. يعتبر عضو الكنسيت عباس من السياسيين، الذين قرؤوا الخريطة السياسية بشكلي عمليّ (براغماتيّ). لكني أنوه، سبق عباس سياسيون آخرون أخذوا نفس الطريق وحاولوا بناء شراكات سياسية ناجعة، وعليه توجّهوا للحريديم لكنهم جوبِهوا بمعارضة شديدة.

قام الحريديم وخلافا للأحزاب العربية باتخاذ خطوات سياسية جريئة منذ قيام الدولة، تمثّلت بتكتلهم ودخولهم متحدين الحلبة السياسية ليؤثروا عليها من الداخل. استقبلتهم السياسة الإسرائيلية حينها بحفاوة بالغة رغم تنكرهم للصهيونية، لغتهم العبرية الركيكة وأعراسهم التي يقصدها الآف الضيوف. لم تتودد أحزاب الائتلاف إليهم حبّا بهم، بل لأنهم كانوا وما زالوا بارعين ببناء التحالفات وإبرام الصفقات! فلمَ لا نحذو نحن مواطنو الدولة العرب حذوهم، من أجل التأثير في السياسة الإسرائيلية وتحصيل حقوقنا كأقلية عربية؟

تكرر القائمة المشتركة الخطأ الفادح  ذاته بل وتسير نحو تفكك آخر، وبالمقابل يتسلح جمهور الناخبين العرب بذات العقاب، ألأ وهو المقاطعة. تحاول الأحزاب اليهودية من جهتها، اقتناص الفرصة المواتية لكسب الأصوات العربية المتأرجحة والمترددة. كان السيد نتنياهو شخصيا أوّل من حاول انتهاز هذه الفرصة، فهو يريد هذه المرة أن يهرع العرب لصناديق الاقتراع لانتخابه لا لانتخاب مرشحي المشتركة! وعليه فقد أبدى خلال حملته الانتخابية استعدادا جديا لضم مرشح عربي في مكان مضمون ليكسب أصوات الناخبين العرب. قامت أحزاب وشخصيات يهودية  على مدار الأعوام السابقة بنفس الخطوة، حيث عيّن بوغي يالعون مرشحا عربيا في قائمته، لكنه استبدله فورا بمرشحة بدوية مع اكتشاف الإعلام لماضيه الجنائي، وعين أيضا يارون زليخه من جانبه بروفيسورا عربيا لامعا ورجل اقتصاد ناجح في قائمته التي حملت اسم "الحزب الاقتصادي الجديد". أما حزب ميرتس فلم يسبقه أحد قي هذا المضمار، فقد حافظ دائما على مقعد واحد على الأقل لمرشح عربي بشكل دائم.

تعتبر هذه الخطوات وإن لم تقصدها الأحزاب اليهوية، بداية ثورة في السياسة الإسرائيلية. حيث يحظى العرب من خلالها بشرعية غير مسبوقة، لكن يتوجب على هذه الأحزاب الآن إثبات جديّتها ومثابرتها. لن يمنح الجمهور العربي ثقته للأحزاب اليهودية بسهولة، بالذات اليمينية منها. ستحصل القائمة المشتركة على معظم أصوات الناخبين العرب، لكن سيلزم المقاطعون والغاضبون بيتوهم ولن يقصدوا صناديق الاقتراع. بالمقابل سيسعى البعض للتأثير على الحلبة السياسية من الداخل، وعليه سيتعاملون مع عرض حزب ميرتس بجدية. أقول لداعمي نتنياهو العرب، ثقوا أنّ الرجل سيتخلّى عنكم باللحظة التي سيحظى فيها بأصوات اليمين والمستوطنين. باختصار، سيذكّرنا نتنياهو كثيرا بقصة الحمار الرخيص، لكن السؤال الذي يطرح نفسه مَنْ الحمار!  

الكاتب صحفي وزميل مشارك في معهد "شحريت"

למאמר בעברית: זול מחמור

للانضمام لمجموعة الساحة على الفيس بوك

תגובות