كيف نجعل الفيل الخائف يتحرك من مكانه

اعتاد الشعب اليهودي منذ وجوده في العالم على انه ضحية مطارَدة، واستوعبت دولة إسرائيل لداخلها مخاوفه . نعرف كيف نتعامل مع الضربات، لكن لن يكون لنا رد على المقاومة الفلسطينية غير العنيفة

إبراهام بورغ
שתפו כתבה במיילשתפו כתבה במייל
מעבר לטוקבקים
إبراهام بورغ

 لماذا حقا لا يوجد هنا سلام؟ وما هو أصل الوحشية السياسية لاسرائيل؟
هل ماضينا المضروب هو اساس حاضرنا العنيف؟ وإذا كان كذلك، كيف نخرج من هذه الدائرة المرضية؟

ميل القلب الطفولي لدى الكثيرين هو توجيه اللوم دائما للآخر: "أكلوا لي، شربوا لي"، "لست انا، انه هو". مع مرور السنوات اصبحت التقييدات الفلسطينية تفسيرنا المركزي لعدم تحقيق السلام. من المريح لنا التعجرف والقول "ليس هناك مع من نتحدث" بينما توقفنا منذ فترة عن الانتباه الى انه لا يمكن التحدث معنا ايضا عن اي شيء تقريبا. بالتأكيد ليس حول مسؤولية البعض منا عن الوضع. لماذا في الواقع؟

التكتيك الخارجي واضح. منذ عام '67 تريد إسرائيل ان تكون بيدها اوراق لعب أكثر للتفاوض. ومع الوقت تعلقنا بالأوراق لدرجة اننا لا نستطيع الانفصال عنها. لذلك تعمل إسرائيل كل ما بوسعها لإرجاء التفاوض المنتظر. ومع هذا عندما يأتي، مثلما يحدث مرة كل عدة سنوات، فإن اسرائيل بكل بساطة لا تفلح باستخدام اوراقها – بأن تضعها على الطاولة، للظفر بالجائزة الكبرى - السلام. ولكن لماذا؟

المخاوف - الحقيقية والافتراضية، الإيمان الديني الوهاج، القومية المتنامية، المتعة الكامنة في السيطرة على الآخر والطمع القومي- هي فقط الغلاف. هذا يغطي اساسين عميقين جدا يشكلان سببا لعدم قدرتنا على التوصل الى سلام.

من الصعب، وربما  من غير الممكن، فهم الثقافة اليهودية القديمة التي سبقت عهد القديم من دون الحوار المستمر الذي كان لنا مع كل الثقافات والشعوب التي عشنا بينها. نقلنا إليهم القيم والمفاهيم واخذنا عنهم وجهات النظر والسلوكيات. ثروة الفكر اليهودي، هي ثروة تعتمد من بين ما تعتمد، على الحوار مع الآخر مع المختلف. والحوار يشهد على ما يبدو على الانفتاح والاصغاء. وللأسف هذه ليست حقيقية. كان الحوار اليهودي يعتمد دائما على شكوك متأصلة، على المقارنة وعلى الانفصالية. نتحدث ونتحفظ.

مصطلحات "من المعروف ان عيسو يكره يعقوب"، "هو شعب يسكن بمفرده ولا يأخذ بالحسبان الشعوب الاخرى" و"العالم كله ضدنا"، هي جزء من المواد الخام للاشتعال اليهودي الداخلي. عدم الثقة بأمم العالم قائم داخل انظمة التشغيل اليهودية. هذه ليست فقط التجربة التاريخية التي بعضها اضطهاد، كراهية، ومعسكرات اعتقال وسفك دماء-  انها كذلك الرغبة الداخلية، التي تم التعبير عنها بواسطة معايير منظومتنا من تعاليم دينية حرصت على ذلك. فهي منعتنا لاجيال طويلة من تناول الطعام على نفس المائدة مع الغريب (قوانين الحلال حسب الدين اليهودي)، العمل حسب نفس الاوقات (السبت كيوم راحة) ومنعت ممارسة الجنس الحر معه (قوانين النجاسة والطهارة والزواج من زوج غير يهودي). بقدر ما رفضتنا - "الشعوب الاخرى"- من داخلها انفصالنا نحن عنها. اقامة دولة إسرائيل لم تغير بعد هذه الحالة النفسية. كمجموعة، نحن حتى الآن تبنينا مفاهيم العالم المعادي وتبنينا كذلك العزلة المريبة كأداة للبقاء على الرغم من ان هذا العالم لم يعد كما كان. حتى في دولتنا ذات السيادة والاستقلال – كأننا في بلدة محاطة بجدار واسمها اسرائيل- نحن حريصون على ان نحافظ ونرعى حالة المرض في علاقات اليهود مع الشعوب الاخرى. وفي هذه الاثناء، تتجه كل هذه الطاقة المتراكمة نحو حوض الشرق الاوسط.

نحن لا نستطيع التحدث ليس فقط مع العرب. ولا حتى مع الولايات المتحدة ولا مع اوروبا ولا مع اي شخص. اسرائيل الدولة، تواصل استراتيجية العزلة لاسرائيل الشعب. نحن نلقي بحسابنا المتراكم مع التاريخ على الخصم الفلسطيني. هم المضطهدون في هذا الوقت; كان لدينا فرعون وهامان، أنطيوخس، حميلنيتسكي وهتلر. والآن هم. على الرغم من ان الكاهل الفلسطيني ضعيف جدا ليتحمل بمفرده العبء التاريخي لكل كارهي اسرائيل، فإننا غير مستعدين لإعفائهم من عبء المسؤولية، اننا بحاجة الى عدو خارجي لتعريف ذاتنا. لدينا اجابات جيدة وتجارب متراكمة مثبتة لكيفية النجاة وسط عالم معاد، ولكن من غير الواضح لنا حتى الآن هل يستطيع الشعب اليهودي في وقتنا الحاضر، البقاء بلا عدو. وحتى لا تكون لدينا اجابة مثبتة، لن نعفي الفلسطينيين من دورهم كعدو يعرّف ذاتنا.

في هذه الحالة النفسية تدخل قضية العنف. اذ من المحتمل ان تكون هناك اشكال عديدة للتعايش بين نهر الاردن والبحر المتوسط لا تتعلق كلها بسيطرة طرف على الآخر وباحتلال معيب قائم على العنف السلطوي (تمييز متأصل، تمييز في الاستثمارات، اغلاقات، كانتونات) والمدني (مستوطنات، تدفيع الثمن) العدواني جدا. اذن لماذا، رغم كل هذا، نجد انفسنا في كل مرة، نتبنى البديل الاكثر وحشية ونقدسه من دون ان نناقش غيره؟ هنا ايضا يجب الاشارة الى العامل النفسي. لا شك ان ماضينا مليء ومزدحم بالعنف ضدنا. وكانت ذاكرتنا تميل دائما نحو تخليد السيء بينما استثمارنا القليل جدا في تطوير موروث التعاون بين اليهود ومحيطهم غير اليهودي. لقد اوصلنا الإدراك بأننا ضحية وشعورنا بأن طفولتنا القومية طويلة السنين كانت طفولة ولد ما انفك يتعرض للضرب، هذا الادراك اوصلنا الى اسرائيل التي تتصرف كالوالد العنيف. هكذا هو في الطبيعة. الوالدان مرعوبان لتعرضهما للضرب وجيل الابناء يستشرس ويضرب، وهو الى الان مرعوب تنقصه الثقة بالنفس.

اين مفاتيح التغيير؟ احدها هو مفتاح الزمن. لربما في الحقيقة ما من شيء كهذا "سلام الآن". لعل قربنا زمنيا من وقوع الصدمة لا يتيح لنا العمل بمنطق بارد، بل فقط بعواطف ساخنة. ربما علينا الانتظار للجيل القادم، الذي ولد اليوم، لينجز ما فشل كليا في انجازه جيلان من الاسرائيليين، آباؤنا ونحن.

المفتاح الآخر يعاني من غياب مطلق للعدالة. فهو يلقي على عاتق الفلسطينيين المسؤولية عن اسرائيل، لصالحهم. فاسرائيل تشبه فيلا كسولا مترامي الاطراف. وليس للفيل اي دافع ليتحرك. من المريح له ان يواصل رؤية نفسه كبيرا وقويا، ثقيلا، مضطجعا مصابا بالتخمة. لا عجب اذن، في السياسة، يعتبر الجائع والضعيف بالذات عناصر التغيير الجدي. الضعيف الفلسطيني بالذات يستطيع ان يحرك الفيل الاسرائيلي من مكانه الذي يحتله. كيف؟ العنف لا يحركنا، لاننا اعتدنا عليه بل وادمنّاه. كل ضربة تنضم لسلسلة مصيرنا التاريخي فقط وتبرر ما يجري الان من خلال الماضي المؤلم. امر واحد فقط يدفع الفيل الاسرائيلي الحقير الى النهوض من مضجعه. احتجاج مدني غير عنيف، خلّاق وحازم هدفه واحد- حقوق متساوية.

يبدو مؤخرا في الطرف الفلسطيني نشأ هذا الـ "شيء" الجديد. فمن خطاب مصالح وقوة وارهاب واحترام تحول الى خطاب قيم حريات وحقوق. كثيرون من الفلسطينيين غاضبون ومستاؤون ويكنون الضغينة لاسرائيل، وبحق. لكنهم الآن غير خائفين منها وغير مهددين من السلام معها. لقد فهموا الجانب الآخر، المضيء، للتسوية السياسية، ومن الناحية النفسية السياسية فإنهم يتقدمون على كثير من الاسرائيليين. فالكثير من الفلسطينيين يعملون في الحلبة السياسية خالين من المخاوف وبأيديولوجية المقاومة المدنية غير العنيفة، وليس هناك لإسرائيل اي رد عليها - لا عسكريا، لا سياسيا ولا أخلاقيا.

في المقابل، فان الاسرائيليين حتى الان جماعة قلقة. ولان السلام والمخاوف ليسا شريكين جيدين- لا سلام هنا. المخاوف في انفسنا اصبحت واقعا بحد ذاته. سيكون هنا سلام فقط عندما تستوعب القيادة ويستوعب الجمهور ان السلام هو الدواء لمرض مخاوفنا. وهو البديل الكامل والافضل لكل مخاوفنا التاريخية، الذي بوسعه ان يحل مكانها بل ويلغيها. ان الفلسطينيين بالذات، مصدر الخوف الفوري والآني، يستطيعون ان يخلصوا اسرائيل من نفسها. مليون فلسطيني يتعامل مع اسرائيل ومع احتلالها الفاسد بوسائل السلام والتسليم وليس العداء والارهاب (الخوف)، انهم بهذا يفعلون امرا جيدا لأنفسهم ولنا. هذا فقط ما يؤدي بنا في نهاية المطاف الى التنازل عن الاوراق الخيالية قبل الخراب الاخلاقي القطعي لبيت الاوراق الصهيوني كله.

أبراهام بورغ هو رئيس الكنيست سابقا ورئيس الوكالة اليهودية سابقا, كاتب, متطوع وناشط اجتماعي

תגובות

הזינו שם שיוצג באתר
משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ