ما يجب على اسرائيل تعلمه من التيتانيك

حان الوقت لنتبنى خطابا حادا، هادئا وواضحا لإدارة المخاطر. خطاب يلزمنا بالنظر مباشرة الى الخيارات المطروحة امامنا، واختبار كم هي سيئة

ميراف ارلوزوروف
שתפו כתבה במיילשתפו כתבה במייל
מעבר לטוקבקים
ميراف ارلوزوروف

خرجت التيتانيك، الباخرة الفاخرة الاكثر شهرة في التاريخ، في اول ابحار لها بصفتها "الباخرة التي لا تغرق ابدا". استنادا لهذه الفرضية، حملت الباخرة على متنها عددا من قوارب النجاة يكفي نصف ركابها فقط – وبما انها باخرة لا تغرق، فمن غير الضروري تزويدها بقوارب نجاة (عمليا، وحسب هذا المنطق، لم يكن من الضروري تزويدها بقوارب نجاة اطلاقا).

الكل يتذكر نهاية التيتانيك المأساوية، لكن ما لا يتذكره الجميع هي عبرة التحذير التي خلفتها للعالم: مع غرق التيتانيك نشأ، بصورة ملحوظة، مجال ادارة المخاطر. فإذا كانت التيتانيك ابحرت مستندة الى فرضية ان " كل شيء سيكون على ما يرام"، فبعد التيتانيك أخذت تبحر كل البواخر في العالم مستندة الى فرضية معاكسة تماما - فرضية ان كل شيء سيء، هل سأنجو وكيف؟ لهذا السبب بالضبط فان كل باخرة تبحر اليوم، تحمل على متنها قوارب نجاة تستوعب اكثر من عدد المسافرين- حتى إذا غرقت الباخرة، في كل الحالات سيتوفر مكان لكل شخص في قوارب النجاة.

بعد مرور 47 سنة على حرب الايام الستة واحتلال المناطق، وبعد كتابة ملايين الكلمات عن النزاع الاسرائيلي- الفلسطيني من كل منظور ممكن تقريبا، هناك رؤيا واحدة غابت تماما عن الحديث حول النزاع: رؤيا ادارة المخاطر. او بكلمات اخرى: الافتراض بأن الاسوأ سيحدث، هل ستنجو دولة اسرائيل، وكيف؟

الحديث المتداول اليوم عند مناقشة النزاع الاسرائيلي- الفلسطيني يدور حول ادارة الاحتمالات- كل طرف يروج لسلعته، او يمدح عرضه على انه الافضل. 47 سنة من حديث كهذا كانت فترة كافية لتعلمنا ان الحديث الدائر هنا عقيم ولا يقنع سوى المقتنعين ولا يساعد اطلاقا على اتخاذ القرارات في دولة اسرائيل. لذلك، حان الوقت للانتقال للحديث عن ادارة المخاطر. وعلى النقيض التام من الحديث عن ادارة الاحتمالات، فإن ادارة المخاطر عبارة عن حديث اكثر حدة ووضوحا. حديث يلزمنا بالتمعن مباشرة بالخيارات المطروحة امامنا، واختبار كم هي سيئة، ولأي المخاطر تعرضنا. ولا بد ان ننتقي من بين هذه الخيارات، الخيار الاقل سوءًا – ذاك الخيار الذي يكون لإسرائيل به احتمال افضل للنجاة.

يمكن اجراء تمرين اولي كهذا:

الخيار الاول- استمرار الوضع القائم الى الابد. غالبية الجمهور في اسرائيل، على ما يبدو، يؤيد هذا الخيار، لسبب بسيط، أنه من الاسهل عدم اجراء تغييرات. علاوة على ان هذا الخيار لطالما عمل بصورة رائعة لصالح دولة اسرائيل منذ 47 سنة. ولكن هل ستنجح اسرائيل بالحفاظ على هذا الخيار الى الابد؟

التحليل الهادئ يفضي الى ان الابقاء على الوضع القائم لعله يدفع دولة اسرائيل وبسرعة نحو مكانة دولة فصل عنصري (ابرتهايد). ففي نهاية المطاف، لا يمكن مواصلة السيطرة بالقوة على ملايين الناس، والادعاء بالحفاظ على ديمقراطية الدولة في ذات الوقت. لن يقبل العالم المتحضر في مرحلة ما بأن تنطلي عليه هذه الخديعة بعد الآن. عندما تحل هذه المرحلة، قد تجد دولة اسرائيل نفسها بعيدة عن صحبة الدول الديمقراطية، عرضة لعقوبات اقتصادية، سياسية واجتماعية قاسية. وقد تكون العواقب الاقتصادية والاجتماعية بعيدة المدى. كما سيترك ذلك آثارا عميقة على الطابع الديمقراطي لدولة اسرائيل. الى ذلك فقد نشهد عواقب امنية هنا - الا تفقد اسرائيل، التي تعتمد على مساعدة العالم في الدفاع عن نفسها، دعم العالم لها؟

من الصعب تقييم الخطر الأمني- العالم به كثير من المهازل، ففي حالات كثيرة تحظى الأنظمة الظلامية بدعم الدول الديمقراطية فقط باسم المصالح. ولكن من المؤكد أن الخطر الاجتماعي، الاقتصادي والديمقراطي كبير جدا. في هذا السياق ، جدير بنا أن نتذكر عبرة جنوب افريقيا - دولة غنية ومستقلة، لم تكن بحاجة لدعم العالم، ومع ذلك لم تتمكن من الصمود أمام الضغوط العالمية على نظام الفصل العنصري ( الابرتهايد) فيها. يصعب التصديق، أن إسرائيل الصغيرة والضعيفة ستكون قادرة على الصمود بوجه ضغوط  مماثلة، إن ارادت اصلا تعريض نفسها لهذه الضغوط.

الخيار الثاني - دولتان لشعبين . اليسار الإسرائيلي بالطبع يدعم هذا البديل، ويعد بجنة عدن على الأرض. "وأن يعيش الذئب مع الحمل" وكل ما علينا فقط الموافقة على الانسحاب من الأراضي المحتلة. من المغري أن نؤمن بذلك، ولكن ماذا نفعل إذا تحولت جنة عدن الى جهنم، وبدلا من سلام ابدي نحصل على حرب ابدية؟

هذا ليس خطرا لا أساس له، اذا اخذنا بعين الاعتبار ما حدث في غزة بعد الانفصال عنها. وخلافا لغزة، فإن مناطق يهودا والسامرة تتمتع بأفضلية طوبوغرافية بارتفاعها وقربها من المناطق المأهولة بالسكان بكثافة في وسط اسرائيل. لا يمكن الاستبعاد الكلي لإمكانية قيام دولة "حماستان" في المناطق، بحيث تستغل الميزات الطوبوغرافية لإمطار تل ابيب بالنيران وبالصواريخ . يتوجب على إسرائيل، عند مناقشة الانسحاب من المناطق- ان تأخذ في الحسبان امكانية  نشوب حرب متواصلة مع الدولة الفلسطينية المجاورة ، واطلاق الصواريخ وسقوط قتلى مدنيين في مركز إسرائيل.

لا ينطوي هذا الخيار على تهديد للديمقراطية، ولكنه ينطوي على خطر أمني جسيم. كما ان الخطر الاجتماعي- الاقتصادي كبير جدا، لأن الحرب المتواصلة تزعزع الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في إسرائيل. حتى ان هناك من يحذرون من أن إسرائيل لن تصمد اجتماعيا أمام سيناريو حرب متواصلة - وأن النخبة في تل أبيب ستهرب منها، في حال لا بد لها من العيش في ظل قصف الصواريخ. ينبغي أخذ خطر كهذا بالحسبان رغم انه من غير المؤكد انه خطر كبير حقا، إذ يمكن ايضاً الادعاء بعكس ذلك تماما. الايمان بصواب النهج يعيد الى إسرائيل التكاتف الاجتماعي الذي افتقدته.

الخيار الثالث- دولة واحدة لشعبين، دولة ثنائية القومية. وتميل الأغلبية اليهودية الى معارضة هذا الخيار بشكل تلقائي، لأنه يعني فقدان الأغلبية اليهودية وتغيير طابع دولة إسرائيل. الخطر، في هذه الحالة ، قائم بقوة في النقاش الدائر بين الجمهور.

الى ذلك، جدير بالذكر أن هذا الخيار مناسب من ناحية ديمقراطية-  في الواقع فإن معظم دول العالم هي "دول جميع مواطنيها"، ولهذا ما من سبب مبدئي يجعل من اسرائيل دولة مختلفة. في المقابل، ينبغي التذكير بأنه من اجل نجاح دولة كل مواطنيها، لا بد ان تتوفر رغبة حقيقية لدى جميع المواطنين، كما لا يجوز خلق فجوات كبيرة جدا بين المجموعات المدنية المختلفة. وإلى جانب نموذج كل من سويسرا أو كندا، دولتان متعددة اللغات ومتعددة الثقافة، تدار بنجاح، فأمامنا درس رهيب من تجربة يوغوسلافيا سابقا، حيث انتهت الى حرب أهلية مرعبة  تمخضت عن تقسيم يوغسلافيا الى دول قوميات مختلفة، بسبب الفجوات الداخلية الكبيرة جدا فيها. التجربة الإسرائيلية لا تبشر بالخير من حيث قدرتنا على التعايش مع الفلسطينيين في دولة واحدة، إذ ان التشديد الثقافي الكبير على الطابع اليهودي للدولة يخلق صعوبة كبيرة حتى في احتواء 20٪ هم عرب إسرائيل بيننا.

هذه هي الخيارات الثلاثة الاساسية المتاحة امام دولة إسرائيل اليوم بقدر ما بوسعي ادراك الامور . وكما يمكن رؤيتها، كلها تنطوي على مخاطر هائلة، تنتشر في فضاء كثير المجالات. هذا يعني ان النقاش لا يمكنه ان يبقى سياسيا امنيا فقط ، بل يجب أن يتطرق ايضا الى المخاطر الاجتماعية والاقتصادية. لهذا فإن عملية اتخاذ القرارات، التي تسيطر عليها اليوم النخبة الأمنية، يجب سحبها من رجال الأمن وتوسيعها لتشمل ايضا مختصين في كل من مجال الاقتصاد والاجتماع.

كل هذا معا، من شأنه صياغة خطاب حقيقي، يغيب اليوم عن النقاش حول مستقبل دولة اسرائيل: الادراك بأن وضع اسرائيل حساس جدا، وأن جميع الخيارات المطروحة امامها سيئة جدا. نعم، المستقبل المنظور صعب، معقد ومركب، وما من حل سحري في الأفق. ومن يفكر بغير ذلك فإنه يوهم نفسه. لكن دولة مسؤولة يجب أن تنظر نحو الأمام، إلى المخاطر التي تهددها، وان تختار الخطر الأقل فظاعة -  أي احد الخيارات الثلاثة الذي سيتيح البقاء بصورة افضل. حقا ، انه خطاب محبط، لكنه الخطاب الوحيد المتاح.

ميراف ارلوزوروف هي عضو هيئة تحرير هآرتس

תגובות

הזינו שם שיוצג באתר
משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ