ابو مازن انزل الى الميدان

الجمود السياسي سيكلفنا ثمنا باهظا. فقط ظهور رئيس السلطة الفلسطينية في "ميدان رابين" في تل أبيب من شأنه أن يقلب صحن المجن

أوري ميسغاف
שתפו כתבה במיילשתפו כתבה במייל
מעבר לטוקבקים
أوري ميسغاف

يجب ان نسأل بصدق هل حسمت معركة السلام. من غير المستبعد ان الجواب يكون ايجابيا وان اعداء السلام قد انتصروا. يجب ان نصغي لابتهاجاتهم العارمة وهم يحتفلون بالنصر البيروسي، الذي يشكل بالطبع نهاية للمشروع الصهيوني. ويعلن اوري اريئيل انه" بين نهر الاردن والبحر لن تقوم الا دولة واحدة، سنواصل البناء في كل ارض اسرائيل". آييلت شاكيد تقرر  أن " اسرائيل لن تتفاوض مع منظمة ارهابية... الفجوة بين الفلسطينيين والاسرائيليين كبيرة جدا ولن يكون هناك تسوية في السنوات القريبة". نفتالي بينيت يعرض مجددا ضم الكتل الاستيطانية ومناطق C، ويعلن محتفلا "ان عهد اوسلو ولى". وتنضم اليهم بسرور تيارات متفرعة يمكن تسميتها اليسار-آكل-لحوم-البشر وهي مجموعات مليئة بالمرارة وتدعي الطهارة وتفضل دائما الهدم والحروب الداخلية من على لوحة مفاتيح الحاسوب على الاستنفار الجريء امام المعسكر الايديولوجي الآخر.

لا بد من الاشارة الى ان فشل محاولات الوصول بطرق سلمية الى حل للنزاع الاسرائيلي الفلسطيني لا يعني انتصار الاحتلال النهائي. ومشروع الاستيطان والاحتلال لن يدوم، رغم سيطرته اليومية على الارض واتساعه الحالي. إنه بقايا عصر استعماري، وما من شبيه له حاليا في العالم الغربي. ربما الصين تحتل وتستوطن التبت، لكن اسرائيل ليست الصين. لذلك فإن امر المشروع الاستيطاني سيحسم وسيتفكك في المستقبل القريب. وان لم يكن بالسلم فبالإكراه والقوة، سواء كان نتيجة للمقاطعة وللعزلة الدولية، او نتيجة لتجدد المقاومة العنيفة، أو نتيجة الاثنين معا. إن حسما كهذا سيكلف الطرفين ثمنا باهظا. اسرائيل في الوقت الحالي لديها الكثير مما قد تخسره.

ولذلك هناك سبب وجيه لبذل مجهود خلاق. والمقصود محاولة لم يؤخذ بها قبلا، تحريك الدعم الشعبي مجددا لحل لا يستند الى معادلة حاصلها صفر (zero sum game) وانما الى شراكة في المصالح والقيم المشتركة. في الوقت الحالي، معسكر السلام المنكمش والمهزوم في الجانب الاسرائيلي بوسعه ان يساعد على احتضان هذا العمل. وعلى ضوء الظروف الحالية وخلافا للمنطق الأساسي فإن مسؤولية التنفيذ تقع على عاتق ابي مازن. الاقتراح قائم على تغيير الوعي. تغيير سريع وحاد. مثلما بادر الاسرائيليون في السنوات الأخيرة في حملات لجلب فرق موسيقية مثل "رولينغ ستونز" أو "برل جام" الى متنزه "اليركون"، أو مثلما حاولوا دعوة الرئيس الامريكي اوباما للقدوم والتحدث الى الشعب، يجب الخروج الآن بصيحة واضحة: أبو مازن انزل الى الميدان.

في المعركة على الرأي العام الاسرائيلي، يتمتع محمود عباس بصفات حسنة وسيئة. يحسب لعباس انه لا يعتبر متطرفا. رغم المحاولات الحثيثة من جانب اليمين الداعم للاستيطان وصمه بأنه ارهابي وبأنه ناكر للهولوكوست وكمن لن يهدأ له بال حتى يستلم مفاتيح بيت طفولته في صفد. الجمهور بأغلبيته يراه شخصية معتدلة ووقورة. بكلمات بسيطة، هو ليس عرفات وليس مكملا لدربه. أما صفاته السيئة التي هي مشتقة الى حد ما من ميزاته، تشمل عدم الثقة في قدرته على قيادة الشعب الفلسطيني وتولي الريادة, في انه يمثل الشعب الفلسطيني بشكل صحيح, في  جرأته وفي مدى رغبته وحماسه للوصول الى تسوية تاريخية. في هذه اللحظة الزمنية، ليس من المهم إن كان التشبيه واقعيا. اليمين الداعم للاستيطان لم يتمكن من تلطيخ اسم أبي مازن، غير انه يحظى بجائزة ترضية- حيث ان في المقابل لم ينجح معسكر السلام بتنقية اسم ابي مازن. الاسرائيلي العادي، حتى وإن وقعنا في فخ الكليشيهات والتعميم، ليس مقتنعا بأن ابا مازن شريك للسلام.

السبيل الوحيد الى كسر الجليد في وعي الأغلبية الصامتة وفي نفس الوقت بعث الحياة مجددا في معسكر السلام الهامد، هو إحضار ابي مازن الى "ميدان رابين" للتحدث الى الشعب الاسرائيلي. ليس من خلف الشاشات في خطابات مسجلة ولا في حوارات تلفزيونية. ولا في اطار اللقاءات المتقاربة التي يجريها ابو مازن مع وفود اسرائيلية في رام الله. يخيل لي، أن الاسرائيلي العادي لا تستهويه هذه اللقاءات. ما دمنا امام واقع تشتق فيه المواقف من التشبيهات والعواطف فإنها بالتالي توقظ لديه مشاعر غير مريحة. السياسيون ونشطاء السلام الذين يصرون على الاستمرار في تنقية اسم ابي مازن حتى عندما تقضي اسرائيل على كل الفرص امامه، يبدون وكأنهم متعاونون يائسون وضعفاء.

ان قدوم ابي مازن الى الميدان لملاقاة الاسرائيليين من شأنه أن يقلب صحن المجن. خطوة كهذه سيكون لها تأثير على الجمهور بصورة دراماتيكية. تذكروا الزلزال في وعي الاسرائيليين الذي احدثه قدوم السادات الى اسرائيل. كان التحول حادا على نحو يدعو الى السخرية. فقد ذهب الجنرال موردخاي غور حد القول عشية هبوط السادات انها عملية إرهابية، تنطوي على طائرة ملغمة وان جنود الكومندوز سيخرجون من بطن الطائرة. وجاءت هذه الأقوال من جانب قائد الأركان العامة وليس من جانب اليمين المهمش الغارق بأفكاره الحالمة. صحيح ان السادات وافق على القدوم الى اسرائيل فقط بعد ان تلقى تعهدات كبيرة جدا خلال المحادثات السرية بوساطة امريكية. لكن التاريخ لا يكرر نفسه بذات الدقة اطلاقا، إذا اعتبرنا أن ابو مازن حصل في الماضي القريب على تعهدات اسرائيلية غير مسبوقة بوساطة امريكية. وفي كل الاحوال ما من حل آخر.

في السنوات الأخيرة قدم ابو مازن تقريبا كافة الأجوبة المطلوبة والايضاحات الضرورية وتحدث باعتدال وبصورة منطقية. لكنه ببساطة لم يوجه كل هذا الى العناوين الصحيحة. الوسيلة هي الرسالة – عليه ان يصل للميدان – الذي سيمتلئ من جديد وبلا شك حتى ولو من باب الفضول. فليشرح هناك للإسرائيليين كيف يرى هو نفسه الطريق الى السلام. وعلام بوسعه ان يتنازل وعلام ليس بوسعه التنازل. ما الذي أفشل المفاوضات حتى الآن، وما الذي يمكنه ان يحركها من جديد. من الخطأ الاعتقاد ان الاسرائيليين لا يفهمون الا لغة القوة. فمعظمهم متعطشون للغاية الى الاعتراف بهم واحتضانهم. في الاسرائيلي ثمة شيء طفولي جدا. ان تعيرهم الانتباه تسحرهم. وفي غياب قيادة داخلية تتمتع بكاريزما وسط معسكر السلام، لربما ضيف من الخارج يقوى على توحيد الصفوف من جديد.

ما من شك أن الحديث يدور عن تحد سياسي، دبلوماسي وأمني يوضع امام الحكومة الاسرائيلية. ولكن سيكون من الصعب جدا على قادتها طرح اسباب رفضهم لهذا الأمر. قد يكون هذا الاجراء بمثابة لغم لها، ولكنها تستحقه بكل أمانة. والرسالة العامة ستكون واضحة للغاية: اختيار زعيم الجانب الفلسطيني التحدث الى الشعب في اسرائيل متخطيا رئيس وزراء في حكومة رافضي السلام  (البيت اليهودي، الليكود بيتنا) والمذعورين من السلام (يش عتيد، هتنوعا). ليس محاولة يائسة وانما محاولة شجاعة. جولة أخيرة قبل السقوط المؤكد الى الهاوية.  

أبو مازن، انزل الى الميدان.

תגובות

הזינו שם שיוצג באתר
משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ