التهديدات،الفرص، وما بينهما

تحدث في الشرق الأوسط امور مقلقة، لكن الى جانبها تظهر الفرص العديدة. يجب اقامة بنى تحتية لتسوية إقليمية تستغل العملية الإيجابية التي تحدث في المنطقة، والتي تتشارك فيها إسرائيل، مصر، الأردن والسلطة الفلسطينية. لم يبقَ أمامنا سوى الأمل بأن يتمتع القادة بالجرأة الضرورية لتطبيقه

يوفال ديسكين
שתפו כתבה במיילשתפו כתבה במייל
מעבר לטוקבקים
يوفال ديسكين

ما من خلاف أنه في كل الاحوال سيكون من الصعب جدا التوصل لتسوية بين إسرائيل والفلسطينيين. وذلك لأن الصراع عميق والقضايا التي يتوجب تسويتها معقدة جدا. ولا يقل خطورة أنه منذ انطلاق عملية أوسلو وحتى يومنا هذا لم يتبقَ شيء من الثقة المتبادلة بين الطرفين تمنحنا القدرة على تحقيق السلام.

سال بحر من الدماء في كلا الجانبين، قُتل رئيس حكومة في إسرائيل، يتعاظم صوت المتطرفين في كلا الجانبين باستمرار، القيادة الحالية للطرفين ضعيفة، تأثير الولايات المتحدة كوسيط ضعيف، أوروبا مشغولة بنفسها وبالأزمة في أوكرانيا والمستوطنات تُبنى بوتيرة أسرع من أي وقت سابق.

لا يمكن أيضا تجاهل العمليات المقلقة الكثيرة في الشرق الأوسط الآخذ بالتغيّر. إيران تطوّر برنامجها النووي، سوريا غارقة في مستنقع دم وتمتلئ بجهاديين، إستقرار لبنان يتضعضع عقب الحرب في سوريا واللاجئون الذين يلجؤون الى أراضيه، العراق يتفتت رويدا رويدا، الكرسي الملكي السعودي يغمز قليلا نحو إيران، السلطة الحالية في مصر غارق بصراعات كبرى مع حركة الإخوان المسلمين ويواجه ما لا عد ولا حصر له من المشاكل الاقتصادية، الأردن يحاول البقاء على قيد الحياة في ظل أمواج اللاجئين من سوريا وقريبا ربما امواج اللاجئين من العراق، الاقتصاد المتضعضع وعدم الثبات الداخلي، ليبيا آخذة بالتفكك الى قبائل والأخطر من كل ذلك في نظرتي المتشائمة – فتح وحماس في عملية مصالحة من جديد، التي قد تنهار قبل تطبيقها على ضوء عملية الاختطاف والقتل المنسوبة لحماس.

ولكن لا يمكن التفريط في عمليات إيجابية بالنسبة لدولة إسرائيل: "الربيع العربي"، الذي ظهرت الحركات الإسلامية كأكبر مستفيد منه، يغيّر اتجاهه. حركة الإخوان المسلمين في مصر بموقف ضعف عميق، في تونس "النهضة" استخلصت العبر من أخطاء الإخوان في مصر وقبلت التسوية بشأن السلطة، كافة حركات الإخوان المسلمين في المنطقة تعمل على تعديل نشاطاتها مرحليا على الاقل. العائلة المالكة الهاشمية تحافظ على عرشها رغم المشاكل الخطيرة في المنطقة، السعوديون والمصريون تقاربوا من بعضهما البعض، سوريا ضعفت، حزب الله غارق في الوحل السوري وقد تضررت صورته في لبنان والمنطقة، تركيا تحسّن علاقاتها مع إسرائيل رويدا رويدا، وبفضل المحادثات مع مجموعة الـ 5+1 تبطئ إيران (والتي يبدو أننا سنضطر لقبول واقع كونها دولة شبه نووية التي لا تشكل خطرا وجوديا) وتيرة تسلحها النووي وبحسب التقارير قلّصت 80% من اليورانيوم المخصب الذي بحوزتها، خطر الحرب التقليدية ضد ائتلاف دول عربية آخذ بالاختفاء، وحركة حماس في غزة عالقة مع مصر، وتضطر حاليا لكبح تطلعاتها وطموحاتها وبخوضها عملية المصالحة مع فتح، فمن الممكن ان تقع في فخ يضطرها لحسم قضايا ذات أهمية بالغة. حتى ان عملية اختطاف كل من نفتالي فرنكل، ايال يفرح ولي-عاد شاعر في الثاني عشر من يونيو، تظهر المصيدة التي وقعت فيها الحركة كما تظهر فقدانها للسيطرة.

إذا أي صورة من هذه الصور صحيحة؟ يميل الساسة الى التلاعب بالواقع حسب احتياجاتهم، وكذلك يميل المسؤولون في الاستخبارات بطبيعتهم الى صبغ العالم بالأسود والأبيض (يفضل بالأساس بالأسود) وعرض التهديدات وليس الفرص. لكن الواقع معقد أكثر ويبدو أن صورة الواقع التي حاولت رسمها هنا، هي على الأقل مجموع الصورتين التي ذكرتهما معا.

عندما نفحص حال الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني يمكننا رؤية مخاطر جمة، ولكن ظهرت كذلك فرص جديدة ذات أهمية في الشرق الأوسط. المشكلة الأساسية هي أن ساعة الرمل لحل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني تكاد تفرغ وتقربنا جدا من نقطة اللا عودة، التي لا يمكن عندها الافتراق عن الفلسطينيين ضمن اتفاق أو تسوية.

قضيت سنوات من خدمتي على جبهة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، سواء في محاربة الإرهاب او في التنسيق الأمني، مما دفعني الى الاستنتاج أنه لا يمكن حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني على المستوى الثنائي فقط، فقد ثبت أن هذا التوجه مصيره الفشل. يجب اقامة البنى التحتية لاتفاق إقليمي بسرعة واستغلال العمليات الايجابية في المنطقة من ناحية دولة إسرائيل (دون التساهل بالعمليات الأكثر إشكالية)، بمشاركة إسرائيل، مصر، الأردن، والسلطة الفلسطينية.

إن التقلبات في مصر، وضعف حركة حماس في ظل المواجهة مع مصر، وكذلك الوضع الاقتصادي في المنطقة، ومشاكل الطاقة والمياه، ورغبة الرباعية الدولية باستقرار وثبات الشرق الأوسط على وجه التحديد، كلها عوامل تُنتج فرصا جديدة ومصالح مشتركة للشركاء الاربعة الإلزاميين.

على هؤلاء أن يكونوا شركاء ناشطين في كل تسوية أو اتفاق إقليمي لأن القضية الفلسطينية، وبالأخص حيوية الدولة الفلسطينية العتيدة المحصورة بين ثلاث دول أخرى، وكذلك وجود اتفاق مع الفلسطينيين لفترة طويلة، تتطلب تعاونا بين كل هذه الدول. ينبغي هيكلة اتفاق كهذا بصورة تجعله يشكل مصلحة استراتيجية لكل لدول من الدول الأربع التي يفترض أن تستفيد من الصفقة الاقتصادية التي تجلب لها الاستقرار لفترة طويلة.

تسوية إقليمية ستستدعي وضع حلول لمشاكل الطاقة الإقليمية، واقامة مصانع لتحلية المياه، والتخطيط لبنية تحتية للمواصلات بما في ذلك الموانئ والمطارات والقطارات وتحسين الزراعة والتنسيق الاستخباراتي الأمني بين الدول الأربع، وتشكيل حزمة محفزات اقتصادية ستضعها الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي تحت تصرف الدول الأربع التي ستنضم للاتفاق، والتخطيط لمناطق صناعية مشتركة ستنتج وظائف جديدة.

في المرحلة الأولى ولأجل خلق ظروف أولية أساسية لاتفاق، من المطلوب الموافقة المبدئية للدول الأربع أن تقبل أسس الاتفاق الإقليمي بناء على الشرطين المسبقين:

* وفي حال تشكيل حكومة وحدة فلسطينية، سيكون على الجانب الفلسطيني أن يوّفر تصريحا خطيا وشفويا باسم كل مركباتها (وعلى رأسهما فتح وحماس) تطمئن إسرائيل والرباعية الدولية، وتوّضح أنها تقبل كامل أسس الرباعية الدولية التالية: الاعتراف بإسرائيل، التخلي عن الإرهاب وتبني كل الاتفاقيات السابقة التي وقع عليها الفلسطينيون مع إسرائيل.

* وبناء على التصريح الخطي الفلسطيني، تتعهد إسرائيل من جانبها مع بداية العملية، بتجميد كامل ومطلق للبناء خارج الكتل الاستيطانية الكبرى حتى نهاية العملية.

لب الاتفاق سيشمل أربع دول: إسرائيل، مصر، الأردن، والدولة الفلسطينية العتيدة. المفاوضات والتسوية ستتم تحت رقابة الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة، وروسيا) وبدعم دول أخرى في الدائرة القريبة: السعودية، إتحاد الإمارات العربية، وربما أيضا تركيا. ستعتمد التسوية على صفقة رزمة اقتصادية وبنى تحتية سيتم بلورتها في المرحلة الأولى، تهدف لتحفيز الدول الأربع. وضمن الاتفاق الإقليمي سيتم حل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني بدعم من الدول الضالعة، بما في ذلك الترتيبات الأمنية بين الدول الأربع.

سيتم تشجيع التقدم في تطبيق الاتفاق كل مرة، بجزء من مخزون المحفزات الاقتصادية، ضمن الصفقة التي بلورتها الرباعية، من خلال تجميع وتراكم النجاحات الصغيرة على مدار فترة زمنية تمتد من خمس الى عشر سنوات. مقابل ما ورد أعلاه، يتم التخطيط لسلسلة من النشاطات لتغيير الأجواء في كلا الطرفين (لقاءات رؤساء وقادة، مؤتمر قمة، زيارات متبادلة).

الفوائد من الاتفاق الإقليمي المقترح واضحة. من المفترض أن تستفيد منه كل الدول المشاركة فيه، وستنتج تبعية متبادلة بين الدول على اساس البنى التحتية المشتركة في مجال الطاقة، الماء، المواصلات والمزيد، ولكل واحدة من الدول ستكون مصلحة للحفاظ على الاتفاق كي تستفيد من ثماره، تحسين الوضع الاقتصادي في الدول المركزية سيساهم في استقرارها، وكلما كانت مصلحتهن لتنفيذه بفضل الفوائد الاقتصادية إستراتيجية أكثر – سيكون محركا للحفاظ على ثبات الاتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين على المدى البعيد. إضافة الى ذلك، اتفاق إقليمي سيُخلق ظروفا داعمة للحسم المطلوب من الفلسطينيين والإسرائيليين. في تقديري أنه حتى لو لم تحل كل المشاكل ضمن إطاره – ستكون المحفزات قوية بما يكفي للحفاظ عليه.

التوجه الإقليمي قد يشكل إطارا أفضل للمفاوضات، وضمنه يحل أيضا الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني وتُقام بنى تحتية أكثر ثباتا للحفاظ على الاتفاق مع الفلسطينيين في المستقبل. لم يبقَ أمامنا سوى الأمل بأن يتمتع القادة بالجرأة الضرورية لتطبيقه.

תגובות

הזינו שם שיוצג באתר
משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ