سقوط الامبراطورية. تحيا الجمهورية في حدود 67

عهد إمبراطورية الاحتلالات الإسرائيلية ولّى من هذا العالم. إنه زمن الجمهورية التي تكن الخير للجميع

عودة بشارات
שתפו כתבה במיילשתפו כתבה במייל
מעבר לטוקבקים
عودة بشارات

بموجب  تقرير المريض الطبي، فإن الوضع سيء جدا. ضفة كاملة، نابضة بالحياة، عالقة في الحنجرة والأطباء محتارون: فلفظها يعني ضياع أرض إسرائيل الكاملة، أما البلع فيعني ضياع الدولة اليهودية. وقديمًا قال الشاعر العربي: "هُمَا أمرَانِ، أحلاهُما مُرّ".

هكذا هي الأمور،  يوم بعد  يوم تتلاشى المملكة في الأفق. وما نحن بصدده الآن هو ساعة الشفق لدى مغيب النهار، الذي من المفروض ان يكون قد سُجّل على خانة الأمس. زمن الاحتلالات ولّى من العالم. نكّست الإمبراطوريات أعلامها، ولم يبق الا الذكريات، جميلة لهذا وقاسية لذاك. لكن هذا هو حال الدنيا، لا يبقي شيء على حاله، فالراكب لا يبقى راكبا. ولهذا لم يكن  من المستغرب ان تكنّى  الحياة بعجلة الزمن. فأحيانًا  تكون  في الاعلى وأحيانا في الأسفل. وعندما تكون في الاعلى من الجدير التفكير بأولئك القابعين في الأسفل.

في العام 1948 وافق العالم على توسّع إسرائيل الى ما بعد خطوط التقسيم التي حددتها الأمم المتحدة. منذ ذلك الحين  يرفض العالم المصادقة  على المزيد من التوسع. ليس العالم فقط، فحتى الواقع نفسه لا يسمح بنسخة جديدة من عام 1948.

كتب يائير بويمل في كتابه "ظل أزرق أبيض" أن ثمة أدلة تشير إلى أنه "عندما سمحت الظروف السياسية والعسكرية في سنوات الخمسينيات باحتلال الضفة الغربية، منع بن غوريون ذلك خشية ألاّ يهرب الفلسطينيون خلال الاحتلال". لجنة الترحيل (الترانسفير) التي شكلها بن غوريون عام 1948 قررت أن "عدد العرب في البلاد لا يجوز ان يتخطى 15% من مجمل التعداد السكاني" هذا ما كتبه في صحيفة "هآرتس" الباحث اريك اريئيلي. بالإمكان الآن بلوغ هذه النسبة بطريقتين: إما بطرد العرب، على غرار عام 48، أو بالانسحاب من المناطق المحتلة. الطريقة الأولى لفظت انفاسها ، والثانية قابلة للتنفيذ الآن ولكن ليس لأمد  طويل.

في 1956 بعد احتلال شبه جزيرة سيناء،  اجتاحت نشوة النصر بن غوريون ايضًا الذي قال بنبرة حالمة: "من جديد يمكننا ان نشدوا أغاني موسى وشعب إسرائيل العتيقة: سمعت الأمم واغتاظت، وقوة سيطرت على سكان فلسطين، ثم خاف أبطال أدوم، وغزلان موآب تملكهم الرعب، وتلاشى كل سكان كنعان، وحلت عليهم الرهبة والخوف. ستكون إيلات من جديد الميناء العبري الرئيسي في الجنوب، ويوطفات، الملقبة بطيران، ستعود من جديد جزءاً من مملكة إسرائيل الثالثة". أسابيع قليلة بعد ذلك باشر بن غوريون بالانسحاب الكامل من سيناء، وترك حلم المملكة للمؤرخين.

إذا، يمكن النظر الى الوضع من منظورين: من جانب واحد، احتلال مستمر نحو 50 سنة. ولكن من جهة أخرى، فإن اندفاعة الاحتلالات توقفت كليا، ويجب عدم  الاستهانة بهذه الحقيقة. الآن تدور معركة خاسرة  لمواصلة احتلال الضفة، وكل جهود الغيبيين، بدءا من نفتالي بينط الإسرائيلي وحتى شيلدون إديلسون الأجنبي، تنصب في خدع لا تقل عن بشاعة فرى اللاساميين، وكل ذلك من أجل الحفاظ على احتلال مجمل مساحته 5,869 كيلومترا مربعا (مساحة هي أكبر بقليل من مساحة المجلس الإقليمي رامات هنيغف، في النقب). وعلى هذه المساحة تدور الجلبة الآن؛ جيش يحتل أحد الأماكن العشرة الأولى في العالم، شاباك مخيف وموساد أخطبوطي، سلاح جو وسلاح بحر يغطي كل قطرة ماء. وغير ذلك الكثير.

خلال أقل من عقدين سيطرت الصهيونية تقريبًا على أرض إسرائيل الكاملة إضافة الى سيناء والجولان في نسخته الموّسعة. الآن بعد 50 سنة، ولّت  سيناء، ولّى  جزء من الجولان، وحتى غزة لم تعد جزءًا. والآن أيضًا، لم يعد بالإمكان العودة على  غارات احتلالية  كما كان الحال في جنوب لبنان. حتى كلمة "توّسع" التي ألصقها اليسار لسياسة الاحتلال اختفت. المهمة الآن هي الحفاظ على القليل المتبقي. حقًا  إن عجلة الزمن  تدور  بكل طاقتها.

وكأن كل ذلك ليس كافيا فقد نسي  العالم العربي عداءه لإسرائيل. بعد مبادرة جامعة الدول العربية التي تضمنت اعترافا بإسرائيل وإقامة تطبيع معها، تحول العالم العربي الى "أناني" من الصعب التعرف عليه. المصريون منشغلون في مشاكلهم، وأيام وعادات الماضي السعيد مثل اطلاق تصريح ضد "الكيان الصهيوني" قد ولّت من العالم. إنهم يشدّدون على أنهم ملتزمون باتفاق السلام، ويتصدون بقوة  للجماعات المسلحة في سيناء، بما في ذلك لمنع إطلاق النار تجاه إسرائيل.

في سوريا تدور حرب شاملة، وإسرائيل بالنسبة لهم هي بمثابة كائن فضائي حل عليهم من كوكب آخر،  وحزب الله من جهة أخرى منشغل في الحرب الأهلية السورية. وإن لم يكن ذلك كافيا، فما يُطلق عليه "خطر طهران الوجودي" يغيّر ملامح وجهه الى ابتسامة واسعة. والآن حتى حماس تتفق مع فتح، وتعلن، قبولها بوجود اسرائيل، رغم أنها تعلن ذلك بلا  أبواق وبلا أهازيج

لكن الأهم من كل ذلك، أنه لا يمكن الآن تخويف الناس من صعود الإخوان المسلمين. فها هم الإخوان قد صعدوا، وها هم  قد سقطوا، ومع ذلك فالزمن لم يتوقف. بل على العكس، فحتى أفيغدور ليبرمان وشمعون بيرس لم يكفّا عن كيل المديح لمحمد مرسي ومساهمته في التوصل الى اتفاق مع حماس في غزة. أما الآن فالميادين في الدول العربية تزدحم  ليس بجموع الإخوان، وإنما بجموع معارضيهم.

أحد المفكرين المصريين قال إنه توقع سقوط الإخوان في فترة خمسين عاما، لكن ليس بعد سنة. بالنسبة له تلك هي المعجزة المصرية، التي أدت الى المعجزة التونسية حيث أن الإخوان هناك أيضا في تراجع، بينما الشغف العلماني، الذي عانى من الخجل المفرط، بات يصبغ الميادين في العالم العربي.

"سنقوم بأمر رهيب: سنحرمكم من وجود العدو"، قال في حينه آخر وزير خارجية للاتحاد السوفياتي إدوارد شيفارنادزه لنظيره الأمريكي. ويفسر يورام بيك في مقالة بـ "هآرتس" أن "الانتصار الذي جاء مع تفكك الاتحاد السوفياتي، والذي حوّل الولايات المتحدة للدولة العظمى الوحيدة، أنذر أيضا ببداية مغيبها". حالة مشابهة تسري الآن في المنطقة.

كف العرب عن ذكر إسرائيل وحتى التطرق اليها. العالم غير مقتنع بصيغة "الخطر الوجودي" الذي يطلقه اليمين الغيبي، في الوقت الذي يرزخ فيه شعب كامل تحت الاحتلال. لذلك رغم الضجيج الذي يصدره اليمين ورغم انفجاراته الخطيرة، فلا يمكن التستر على  أزمته. طريقه مشار اليها بكل اللغات بأنها  طريق بلا مخرج.

إنه عهد الديمقراطيين الذين يتوجّب عليهم أن يتخذوا موقفًا واضحًا. زمن "النعم واللا" شقّ الطريق لحكم اليمين المتطرف. الإمبراطورية تنهار. إنه زمن الجمهورية في حدود العام 67. جمهورية تكن الخير للجميع. لا مكان للتأتأة. الطريق واضحة جدا. فقط الصعود والاندفاع نحو فضاءات واعدة.

الكاتب هو أديب وكاتب مقال اسبوعي في جريدة هآرتس

תגובות

הזינו שם שיוצג באתר
משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ