المصالح الخفية التي تحرّك الحرب والسلام

كلما مر الوقت، ظهر مزيد من أصحاب المصالح الذين يستفيدون من الوضع الراهن من الإسرائيليين والفلسطينيين. بعضهم يربح من النزاع، آخرون من السعي المتواصل نحو السلام

جاي رولنيك
שתפו כתבה במיילשתפו כתבה במייל
מעבר לטוקבקים
جاي رولنيك

"عملية السلام تدخل الآن حالة من التجميد لسنوات"، قلت لجليسي وهو دبلوماسي إسرائيلي رفيع كان مشاركا في واشنطن في عدة جولات من المفاوضات الأكثر أهمية خلال السنوات العشرين الأخيرة. "أوباما سيهتم طبعا في السنوات المقبلة فقط بأزمة الاقتصاد الأمريكي – ولن يهتم أحد بالعملية في الشرق الأوسط بعد الآن"، فسرت له. كانت تلك الأيام الأولى لدخول الرئيس الجديد البيت الأبيض في خضم اصعب أزمة اقتصادية عرفتها الولايات المتحدة منذ أيام الركود الكبير، وكنت على قناعة لوهلة بأنني أفهم في سلم اولويات الحكومة.

ضحك جليسي. "الأمور لا تسير على هذا النحو"، رد وأضاف: "مع كل الاحترام للأزمة الاقتصادية، هناك آلاف الناس في واشنطن يعتاشون من ’عملية’ السلام". سواء هناك أزمة اقتصادية أم لا – فإن هناك مجموعة كبيرة تتعامل مع التهديدات الإرهابية، وتتعامل مع شؤون الأزمات في الشرق الأوسط، وتتعامل مع عملية السلام وستتعامل معها دوما".

لا داعي للقول انه كان محقا وأن توقعاتي كانت ساذجة. "العملية" لم تتوقف ولن تتوقف، كما لا تتوقف اطلاقا تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية بشأن "التهديدات المتزايدة" من الإرهاب، الحرب، الهجمات الإلكترونية وصواريخ كيميائية، وإنما تستحدث حسب ضروريات الوقت والتكنولوجيا. إنها أجهزة تملك حياة خاصة بها. ربما حان الوقت لنتخلى عن سذاجتنا ونسأل أنفسنا من هم أصحاب الشأن الحقيقيون في كل ما يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط، ما هي مصالحهم ومن المستفيد من الوضع القائم.

احتل البروفيسور نوعام تشومسكي خلال العقد الأخير العناوين الرئيسية في إسرائيل ولا سيما تصريحاته حول عملية السلام والاحتلال الإسرائيلي. ثمة الكثيرين من انصار او معارضي تشومسكي الذي وصفته صحيفة "نيويورك تايمز" بأكبر مثقفي جيلنا، إما انهم لا يعترفون وإما لا يتوقفون عند أحد أهم مؤلفاته "صناعة الإذعان"، الذي ألفه عام 1988 ويتناول دور الإعلام في الحفاظ على الوضع الراهن بما يخدم النخب، الشركات الكبرى ومؤسسات السلطة. حتى رجال الاقتصاد من التيار اليميني، والرأسماليون الخالصون، يقتبسون في مقالاتهم تحليل تشومسكي حول أسلوب عمل الصحافة.

لننظر الى الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، الاحتلال و"عملية السلام"، عبر منظار تشومسكي. ليس تشومسكي من ينحاز بوضوح الى جانب في الصراع ويشجب إسرائيل والاحتلال، وإنما تشومسكي الذي يرى النقاش العام الذي تجعل منه وسائل الإعلام أداة تخدم المصالح السياسية والاقتصادية للمؤسسة الحاكمة.

معظم الحوار العام والنقاش حول "الاحتلال" و"الصراع" في الشرق الأوسط بما في ذلك بين الإسرائيليين والفلسطينيين على وجه التحديد، يتمحور حول التاريخ، الثقافة، الدين، و"المتطرفين": سواء كان المستوطنون الإسرائيليون وداعموهم "المصابون بالهلوسة" و"المسيحيون" و"المهووسون" في الولايات المتحدة، في جهاز الأمن الإسرائيلي وفي السياسة، أم ان الحديث يدور حول التيارات الإسلامية المتطرفة، "الإرهابيين" الذين يريدون القاء اليهود في البحر والدعم الذي يتلقونه من محور الشر المناوب: ذات مرة سورية واليوم إيران.

تتجاهل هاتان الروايتان البارزتان ما هو واضح تلقائيا للجميع في أماكن أخرى: الوضع القائم، وكما هو الحال في كل منظومة كبيرة، هناك منتفعون على الدوام لا يرغبون بالتغيير. كلما مر الوقت، ظهر مزيد من طبقات أصحاب المصالح – في الحكومة، الجيش، الدبلوماسية أو جمعيات السلام – التي تستفيد من الوضع الراهن، تعتاش عليه وتستمد رقيها منه.

47 سنة على حرب الأيام الستة و20 سنة على اتفاق أوسلو، وعدد مجموعات أصحاب المصالح المنتفعة من الاحتلال، الصراع و"العملية السلمية" يزداد سنويا. في إسرائيل بدأت تحتل هذه المعطيات حيزا في النقاش العام في السنة الأخيرة: الحجم الكبير للجيش، التبذير الكبير، عبء مخصصات التقاعد على الميزانية الذي يثقل على كاهل دافعي الضرائب.

بين الفينة والأخرى يقفز الجنرالات المتقاعدون ويتخذون موقف "الحمائم"، غير ان الشكوك تشوب اصالتهم. فهم يتذكرون دائما وفقط بعد ابعادهم عن مراكز القوة، أن "الاحتلال مُفسِد" ويجب السعي نحو السلام. لطالما يحوم الشك بأن الموقف المعارض أو المعارضة الداعمة الجديدة للسلام هي الدرب لاحتلال العناوين أو الدخول للسياسة.

ظاهريا لا توجد علاقة بين حركة الاحتجاج الاجتماعي التي اندلعت في إسرائيل صيف 2011 وبين موجة الاحتجاجات الاجتماعية في العالم العربي التي انطلقت قبلها بنصف سنة من تونس، وانتشرت في كل دول المنطقة ووصلت ذروتها في مصر. إسرائيل دولة ديمقراطية انتاج الفرد فيها شبيه بالدول الغربية، بينما في مصر التي يحكمها الجيش، فإن ناتج الفرد يعادل خمس ما هو عليه في إسرائيل.

بيد ان الاحتجاجات الاجتماعية في الدول العربية غيّرت السياسة في الشرق الأوسط كليا وذكرت العالم الغربي ما هو مفهوم ضمنا: معظم هذه الدول تحكمها نخبة صغيرة تبتز وتسيطر على الاقتصاد. وكما هو الحال في العديد من دول العالم، في العالم العربي تختفى وراء العناوين التي تتحدث عن الإصلاحات وانفتاح الأسواق بالأساس رأسمالية المقربين من الحكم، من النظام الملكي أو الجيش.

في مصر وعكس التوقعات طرأ انخفاض في نسبة عدم المساواة في العقد الذي سبق مظاهرات ميدان التحرير. تقرير البنك الدولي الذي حاول تحليل وفهم الخلفية التي انبتت الاحتجاج توصلت للاستنتاج أنه في السنوات التي سبقت ذلك طرأ تغير في رؤية المجتمع المصري، وازداد وعيه ازاء قضايا اقتصادية وغلاء المعيشة. الحوار الديني والأمني تراجع، وحل محله النقاش حول الاقتصاد وغياب المساواة.

ينبغي فحص احتمالات وفرص عملية السلام في الشرق الأوسط وكيفية تطويرها ليس فقط من منظار تاريخي، ديني وثقافي، وإنما بأسلوب أكثر تقنية: من هي المجموعات المستفيدة من الحرب، من هي المجموعات التي تعتاش من "العملية" ومن هو المنتفع الرئيسي من تغير هام في المواجهة.

كل تغيير في العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين سيؤدي الى نتائج كبيرة في العالم العربي والدولة الفلسطينية، وفي علاقاتهم الاقتصادية مع الغرب. في إسرائيل إنها ميزانية الأمن العملاقة التي تبلغ 20 مليار دولار وهي كانت وستكون محور النقاش، بينما لدى الفلسطينيين فهي التبرعات العملاقة بمليارات الدولارات التي تضخمت خلال العقد الأخير.

هل تطمح القيادة الفلسطينية، كل رجال الأعمال الفلسطينيين المقربين من الحكم، وهل عشرات ومئات الجمعيات التي تتلقى الأموال من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة – فعلا لنهاية الصراع، أو أن الأمل يكتنفه أيضا التخوّف من أن يهدد هذا التغيير النظام السياسي والاقتصادي القائم الذي اعتادوا عليه؟

في إسرائيل، قطاعات كبيرة ممن تنسب نفسها الى معسكر اليسار أو السلام منحت نفسها "اعفاءً" على مدار سنين طويلة من التداول في المسائل الاقتصادية والاجتماعية الداخلية. كان من المقبول والصواب سياسيا اعتبار قضايا الفقر، عدم المساواة، والفساد "هامشيات" بالنسبة لـ"العملية".

في صيف 2011 قرر الجمهور الإسرائيلي أنه لا يقبل بهذه الطريقة بعد الآن. واعطى للساسة اشارة مفادها، الى حين احلال السلام، ابدأوا بمعالجة غلاء المعيشة، واهتموا بجهازي التعليم والصحة، وعالجوا عدم المساواة، الفساد والبنى التحتية. حتى ان محاولة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تركيز النقاش العام حول الخطر النووي الإيراني، قوبلت بلامبالاة لدى الجمهور.

حاول رجال أعمال إسرائيليون في السنوات الأخيرة تحريك عملية السلام فواجهوا لامبالاة من قبل الجمهور. نصحت بعضهم ان يتذكروا ما قاله موريس ليفي – مدير عام "بوبليسيس" ورئيس الهيئة الدولية لإدارة مركز بيرس للسلام قبل سنتين بشأن آخر: "فقد الجمهور الثقة بالنخب". يتعلق فقدان المصداقية أيضا بعملية السلام والطريقة التي يرى بها الجمهور الناس المشاركين فيها.

حذّر رئيس الولايات المتحدة دوايت أيزنهاور قبل 53 عاما الأمة الأمريكية من "عقدة الصناعة العسكرية" – سيطرة مصالح اقتصادية وعسكرية على السياسة الخارجية وعلى الأمن، وتحويلها الى مجموعة ذات مصلحة عملاقة وذات قوة كبيرة. لا تستطيع النسخة الإسرائيلية – الفلسطينية الاعتماد فقط على الحرب. العقدة الإسرائيلية تشمل في داخلها تهديدات الحرب والإرهاب الى جانب "العملية" والسعي الدائم نحو السلام.

متى يحل السلام؟ متى تحدث الانطلاقة؟ ربما عندما تخلص القيادة الحكومية والنخبة العسكرية والاقتصادية الى نتيجة أن المسار الحالي يهدد سلطتهم، قوتهم وشرعيتهم. ربما حين تتولى قيادة العملية حركات شعبية تبحث عن تغيير ونتائج فعلية، ولن تعتبرها مجرد معول سياسي، مصدر لوظيفة رفيعة، مصدر رزق وهيبة.

وقد يكون الجواب أن على جانبي الصراع يجب أن تحدث عمليات سياسية واجتماعية طويلة وهيكلية من النوع الذي بدأ قبل أربع سنوات في ميدان التحرير وقبل ثلاث سنوات في جادة روتشيلد، ومنها ستنمو سياسة، قيادة، وقيم جديدة. هذه ستسمح لكلا الطرفين القيام بالفعل الصائب – هذا الذي سينفع عامة الجمهور، المهمش والمستضعف – وإحلال السلام في منطقتنا.

جاي رولنيك هو مؤسس مجلة دي ماركر

תגובות

הזינו שם שיוצג באתר
משלוח תגובה מהווה הסכמה לתנאי השימוש של אתר הארץ